ابن الفارض

26

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

ووصله ، فانجذاب المحبّ إلى الجمال المحبوب ليس إلّا لجمال فيه ، والجمال الحقيقي صفة أزلية للّه سبحانه مشاهد في ذاته أزلا مشاهدة عينية ، فأراد أن يراه في صفته مشاهدة عينيّة ، فخلق العالم كمرآة شاهد فيه عين جماله عيانا ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق » « 1 » ، الحديث إشارة إلى هذا المعنى ، فالجميل الحقيقي هو اللّه ، وكل مليح جميل في الكون مظهر جماله ؛ كقوله : وكل مليح حسنه من جمالها * معار له بل حسن كل مليحة ولمّا خلق اللّه الإنسان على صورته جميلا بصيرا ، فكلّما شاهد جميلا انجذب إليه أحداق بصيرته وامتدّ نحوه أعناق سريرته ، وهذا الانجذاب هو الحب الأخص إن ظهر من مشاهدة الروح لجمال الذات في عالم الجبروت ، والخاص إن ظهر من مقامه [ 24 / ق ] القلب جمال الصفات في عالم الملكوت ، والعام إن ظهر من ملاحظة النفس جمال الأفعال في عالم الغيب ، والأعمّ إن ظهر من معاينة الحس جمال الأفعال في عالم الشهادة ، فالحب لظهوره من مشاهدة الجمال يختصّ بالجميل البصير ، وما قيل إن الحب ثابت في كل شيء لانجذابه إلى جنسه ، فعلى خلاف المشهور ، والعشق أخصّ منه ؛ لأنّ محبته مفرطة ، ولذلك لا يطلق على اللّه تعالى لانتفاء الإفراط عن صفاته ، والحبّ الإلهي وراء حب العقلاء من الإنسان والملك والجنّ ، فإنه صنعة قديمة قائمة بنفسها ، وحب العقلاء قائم بها فيحبونه بحبه إياهم ، وتقديم يحبهم على يحبونه إشارة إليه ، وإن لم تفد الواو الترتيب والصلة ، وجمال الذات مطلق موجود في كل صفة من الصفات الجمالية ، وله جمال هو جمال الصفة ، ومن أحبّ جمال الذات فعلامته أن تستوي عنده جهات الصفات المتقابلة من الإيتاء والنزع والضرّ والنفع والإعزاز والإذلال ، حتى الحب والقلى والوصل والقطع والقرب والبعد ، وقوله : وجاوزت حدّ العشق فالحب كالقلى وقوله : فوصلي قطعي واقترابي تباعدي

--> ( 1 ) أورده القاري في المصنوع ( 1 / 141 ) ، والعجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 173 ) ، ونصّ الحفاظ على أنه لا أصل له ، إلا أنه صححه السادة الصوفية في كتبهم كشفا .