ابن الفارض

240

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

وعدم اعتدال عين بصيرتك فإنها لو تجرّدت عن العوائق والعلائق قبل المنام مثل تجرّد نفسي لشاهدتها مثلي بعين صحيحة ، والتجرّد الذي هو شرط المشاهدة تجرّد معنوي معادي يقطع دائرة الهوى ، ويعين على ذلك تقدم التجرّد الصور المعادي بترك أسباب الدنيا ؛ كما قال : وتجريدها العاديّ أثبت أوّلا * تجرّدها الثاني المعادي فأثبت [ 305 / ق ] ولا تك ممّن طيّشته دروسه * بحيث استقلّت عقله واستقرّت أراد ب ( الدروس ) : العلوم النقليّة اشتمل عقله وجده قليلا استفزّه الغضب استخفه يعني الأمر كما قلت ، فاثبت أيها المعاند الطيّاش ، ولأنك ممن طيّشته علومه واستخفّته بحيث وجدت عقله قليلا ؛ لأنه جعل العلم على النقل مقصورا ، وفيما يدركه بعقله القاصر محصورا ، وإنما أسند هذا الاستقلال إلى ضمير الدّروس ؛ لأن العلوم النقلية ما تحكم على من ينصر العلم على الثقليّات بقلّة العقل ، مثل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلّا العلماء باللّه ، فإذا نطقوا به لم ينكره إلّا أهل العزّة باللّه » « 1 » ، ونبّه على ما ادّعاه بقوله : فثمّ وراء النقل علم يدقّ عن * مدارك غايات العقول السّليمة ثم إشارة إلى المكان البعيد ، وأراد به عالم الغيب يخاطب المعاند بها ؛ لأنه بمعزل عنه أي ولأنك مغرورا بعلمك النقلي لأن في عالم الغيب وراء علم النقل علما يلطف عن إدراك غايات العقول السليمة عن الهوى ، فكيف عن إدراك بدايات العقول العليلة ، والمدارك جمع مدرك مفعل مصدر ميمي بمعنى الدّرك ، ثم أخبر عن ذاك العلم الدقيق اللطيف بأنه تلقّاه من نفسه المرتسمة فيها نفوس العلوم ، وأن إمدادها إيّاها بالعلم كان من عطاياه ، فقال : تلقّيته منّي وعني أخذته * ونفسي كانت من عطائي ممدّتي أي : تلقيت ذلك العلم من نفسي ، وتلقّته النفس مني وأمدّتني مما أعطيتها ، وقد سبق في المقدمات ذكر ما يغني عن شرح هذا الكلام ، ولمّا كانت الأشياء مظاهر العلوم الذاتية الأزلية ، وكلما ظهر في الوجود من الأفعال والآثار صادرا من [ 306 / ق ] الفاعل الأزلي المؤثر الكلّي ، فلا يجري في الكون أمر جدّا كان أو هزلا ، حقيقة كان

--> ( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 1 / 210 ) ، وأورده المنذري في الترغيب ( 1 / 58 ) .