ابن الفارض
24
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
مثّل النبوّة بحائط كمل إلا موضع لبنة هي وجوده مشيرا به إلى هذا المعنى ، وهذا البنيان يرشد إلى معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض » « 1 » ، فظهر من ضرب هذا المثل أن نبوّة الرسول عليه السلام والتحية ذاتية دائمة لأنها المنتهى ، ومنتهى الدائرة عين المبدأ ، ومبدأ النبوّة هو الروح الأعظم المتجلّي في كل نقطة من نقط الأنبياء بوصف من أوصافها ، وفي نقطة الصورة المحمدية بذاتها كظهور البدر في كل مرتبة من مراتب القمر بوصف من أوصافه ، وفي منتهى المراتب وهو الثمرة بالذات ، وحقيقة كل نقطة حاملة لوصف الأنبياء هي اللطيفة المتولّدة من ازدواج الروح والنفس الجزئيتين ويسمى قلبا ، وهو محل نزول الروح على الأنبياء ؛ كما قال سبحانه وتعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) [ الشّعراء : الآية 193 ] على قلبك ، فهو عرش الروح الأعظم ؛ إذ لا يسعه إلا هو كما قال سبحانه : ( لا يسعني أرضي ولا سمائي ، ويسعني قلب عبدي المؤمن ) « 2 » ، وما استولى إلا على عرش القلب المحمدي ؛ لأنه لا يتجلّى بالذات إلّا عليه ، فلو قيل ( يسعني ) يدلّ على أنه يسع الخلق ، والروح غيره . قلنا كذلك لكنه خليفة الحقّ ، والخليفة يحاكي المخلف في الصفات ، بل هو مظهر الحقّ ، فيكون الاستناد إليه استنادا إلى الحق حقيقة ؛ وللقلب وجه إلى الروح يسمى فؤادا أو هو محل الشهود ؛ كما قال اللّه تعالى : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) [ النّجم : الآية 11 ] ، ووجه إلى النفس يسمى صدرا وهو محل صور العلوم [ 22 / ق ] ، والقلب عرش الروح في عالم الغيب ؛ كما أن العرش قلب الكائنات في عالم الشهادة . وأما الولاية ، فهي التصرّف في الخلق بالحق ، وليست في الحقيقة إلّا باطن النبوّة ؛ لأن النبوة ظاهرها الإنباء وباطنها التصرّف في النفوس بإجراء الأحكام عليها ، والنبوّة مختومة من حيث الأنبياء ؛ إذ لا نبيّ بعد محمد عليه السلام ، دائمة من الولاية والتصرّف ، لأن نفوس الأولياء من أمّة محمد صلى اللّه عليه وسلم محل تصرّف ولايته يتصرّف بهم في الخلق بالحق إلى قيام الساعة ؛ فباب الولاية مفتوح ، وباب النبوّة مسدود ، وعلامة صحة الولي متابعة النبيّ في الظاهر ، لأنهما يأخذان التصرّف من مأخذ واحد ؛ إذ الولي هو مظهر تصرّف النبيّ ، فلا متصرّف إلا واحد . ومن هذا الوجه تكلم بعض الأتباع عن نفسه بخصائص النبيّ - عليه السلام - على سبيل الحكاية ، ونزل نفسه من النبيّ منزلة الآلة من المتصرّف ، نحو قول
--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 5 / 37 ) ، والربيع في مسنده ( 1 / 172 ) . ( 2 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 129 ، 255 ، 431 ) .