ابن الفارض

195

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

أي : اسأل المحبوبة عن حالي إذ ألاقيها على خلاف المعهود ؛ إذ المعهود أن يسئل الشخص عن حاله ، فيقال : ( كيف حالك ) ، لا ( كيف حالي ) ، فهذا أمر عجيب ، وكذلك أرسلت المحبوبة إليّ ( هدية الهداية ) ، ( فأضلّتني ) من حيث هدتني لأن الهداية إلى شيء يشعر بفقدانه [ 244 / ق ] . وأما واجد المحبوبة غير فاقدها ، وإضلال الهادي بما يهدي به من العجائب ، وكذلك ( أطلبها مني ) ، وهي لم تزل عندي ، و ( العجب ) فيه طلب الشخص شيئا من نفسه ؛ لأن الطالب فاقد لمطلوبه ، والحال أنه عنده حاصل ، فيلزم أن يكون فاقد الشيء واجدا له ، وكذلك ( استجنّت ) المحبوبة ، أي : تسترت عني ، وفي هذا عجيب ؛ لأن احتجاب المطلوب بالطالب غريب ؛ كما قال : ( عجبت لها بي كيف عني استجنّت ) ، ثم أخذ في بيان كيفيّة الطلب وسببه بقوله : وما زلت في نفسي بها متردّدا * لنشوة حسّي والمحاسن خمرتي أي : وما دمت في نفسي مع المحبوبة متردّدا في طلبها بسبب سكر حسّي ، والحال أن ( المحاسن خمرتي ) أعرب عن سبب تردّده وسيره في نفسه لطلب المراد الكائن معه بأنه سكر حسّه من خمر محاسن المحسوسات ، أي : ما اهتدى إلى المطلوب الحاضر لسكره ثم بيّن منازل السر في نفسه ، فقال : أسافر عن علم اليقين لعينه * إلى حقّه ، حيث الحقيقة رحلتي يعني : علمت أولا بعلم اليقين أن المطلوب ليس بخارج عني ، ثم تجاوزت عن هذه المرتبة في التعيين إلى عين اليقين فرأيته عيانا ، كما علمته ثم ارتحلت عن هذا المقام أيضا ، لما وجدته غيري إلى حق اليقين حيث الحقيقة موجودة ، فاتّخذت برفع حجاب الغيريّة ، وتوحيد الإثنينية مع المحبوبة ، و ( علم اليقين ) : عقد ذهبي مطابق بلا اضطراب ، و ( عين اليقين ) مشاهدة بلا حجاب ، و ( حقّ اليقين ) : اتّحاد بعد اقتراب ، قال بعض الصوفية : ( علم اليقين حال التفرقة ، وعين اليقين : حال التفرقة ، وعين اليقين : حال الجمع ، وحق اليقين : حال جمع الجمع بلسان التوحيد ) ، وقيل : ( لليقين اسم ورسم ، وعلم وعين وحق ، فالاسم والرسم للعوام ، والعلم علم اليقين للأولياء ، وعين اليقين لخواص الأولياء وحقّ ، الأولياء ، وحقيقة حق اليقين اختصّ به نبيّنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وحقيقة حق اليقين كمال مراتب الاتحاد ) ، وقول الناظم ( إلى حقّه ) حيث الحقيقة [ 245 / ق ] رحلتي حكاية بلسان الجمع عن هذا المقام ، وتقدير البيت : أسافر عن مقام علم اليقين ، لوجد أن عينه ، ورحلتي منتهية إلى حقّ اليقين حيث الحقيقة