ابن الفارض

180

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

أعاده لبيان سموّ نفسه عن الجهات المتفرّقة إلى مقام الجمع ، وإفاضة الوجود على كل موجود مقيّد بجهته ، وتوجّه الكل إلى مقامه ، يعني : لو قلت كلّي لكلي طالب ، فليس ببعيد ؛ لأني صاحب مقام الجمع أترفّع عن الجهات والفوق والتحت تحت مقامي ، ومن كان بهذا الوصف ( عنت ) ، أي : خضعت واستسلمت إلى ( وجهة ) أي : لوجهه لما بين اللام ، وإلى من المبادلة ، ( كل وجهة ) أي جهة ؛ لأن وجه كل شيء مستقبله ، والوجهة كل جهة استقبلها ، وأراد بوجهه وجه الذات المطلقة ، وهو الوجود المطلق وبالوجوه المستسلمة له الوجودات الجزئية ، ولا شكّ أن كل وجود جزئي متوجّه إلى الوجود الكلّي ، فإن فيه وصف وجهه بالهادي لأنه يهدي إلى سواء السبيل ، ولمّا كان جهة الفوق والتحت بالنسبة إليه واحدة ، وكانتا تحته ، قال : فتحت الثّرى فوق الأثير لرتق ما * فتقت وفتق الرّتق ظاهر سنّتي ( التحت ) و ( الفوق ) مضمومتان اسمان لجهة العلوّ والسفل ، لا ظرفان ، فلذلك ضمّتا ، و ( الرّتق ) : الجبر ، و ( الفتق ) : الشقّ ، والفاء في فتحت للسببية ، أي بسبب ارتفاعي عن الجهات صار عندي تحت التراب وفوق السيار شيئا واحدا ، وعلّله بقوله : ( الرتق ما فتقت ) ، أي : لأجل جمع ما فرقت ، وإجمال ما فصلت استوت عندي الجهات ، والحال أن تفريق الجمع وتفصيل الإجمال ظاهر سنّتي وطريقتي ، وتمييز جهة التحت عن الفوق نتيجة الفتق ؛ كما أن استواءهما نتيجة الرتق ، وهذه العبارة مأخوذة من قوله تعالى : [ 226 / ق ] أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [ الأنبياء : الآية 30 ] ، قال المفسّرون : كانت السماء مع الأرض جميعا شيئا واحدا يوم خلقهما اللّه تعالى ففتقهما بالهوى الذي جعل بينهما ، فلم يتميّز السماء عن الأرض حالة رتقهما ، ولم يكن جهة الفوق السماوي ، ولا التحت الأرضي ، وقيل : كانت السماوات واحدة ، والأرضون أرضا واحدة ، ففتقهما اللّه وجعلهما سبع سماوات ، أو سبع أرضين ، وهذه إشارة إلى أن تفاصيل الأشياء قبل وجودها كانت مجملة مجموعة في عين الجمع الذي هو حالة رتقها ففتقت ، وفضلت بخروجها عن عين الجمع ، وهذا ظاهر السنّة الإلهيّة أن تفصل كل مجمل ؛ كما قال سبحانه : وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا [ الإسراء : الآية 12 ] . وأمّا إجمال المفصل ، وجمع المفرق الذي عبّر عنه برتق الفتق ، فهو أن يشاهدها بعد التفرّق في عين الجمع ، وهو أمر غير ظاهر ، ثم أخبر عن لوازم جمعه من نفي الشبهة والجهة ، والعدة والمدّة ، والضدّ والندّ ، قوله :