ابن الفارض
172
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
فالمخلص حقيقة هو اللّه ، وهو مخلص لا مخلص ، وهذا نهاية الإخلاص ، ويدلّ عليه قوله : ( ولفظي اعتبار اللفظ في كل قسمة ) من أقسام الأقوال والأفعال والأعمال ، وقوله : ( لفظت ) بمعنى ألغيت ، ( لفظي ) الأول بمعنى قولي مفعوله وعطف عليه حظي ولحظي وحفظي وعظي ، و ( لفظي ) الثاني بمعنى إلغائي مبتدأ خبره في كل قسمة ، واللفظ بمعنى الإلغاء ، والباء في ( بصدق العزم ) متعلقة ب ( لفظت ) أي ألغيت بصدق العزم كل ما ظهر مني وجه الخلق كإلغاء مخلص ، فإلغاء نصب على المصدر من غير لفظ الفعل نحو : قعدت جلوسا ، ولما كان استقرار حقيقة الإنسان في قلبه ، واحتجابه بالصفات الظاهرة عنه في عالم الشهادة قال مستعيرا : فقلبي بيت أسكن فيه دونه * ظهور صفاتي عنه من حجبيّتي ( دونه ) أي : قدامه ، والهاء في ( عنه ) عائد إلى القلب ، وفي دونه إلى البيت ، وإضافة الحجبيّة بمعنى الستر إلى البيت إضافة المصدر إلى المفعول ، والفاء في ( فقلبي ) للتعليل أي لأجل ما سبق من إلغاء الصفات المانعة عن الوصول إلى حقيقة الذات كان قلبي بيت سكن فيه ذاتي ، وظهور صفاتي عنه من جملة حجبتي وستري دون ذلك البيت ، وذلك أن الصفة معنى في الذات يقيّدها عن الإطلاق فتكون حجابا لها ، ولما يحملها وهو القلب العرشي الذي استوت عليه الذات المطلقة ، والأفعال الصادرة عن الذات بتوسّط الصفات أيضا من حجبها بل هو أولى بالحجبيّة من الصفات ، فلذلك جعل ظهور صفاته بعضا من حجبه ، وقال : ( ظهور صفاتي عنه من حجبتي ) ، ثم قال ترشيحا للاستعارة : ومنها يميني فيّ ركن مقبل * ومن قبلتي للحكم في فيّ قبلتي لما شابه قلبه وذاته بالبيت وساكنه وصفاته الظاهرة بأستاره وحجبه استولى [ 205 / ق ] موارد التشبيه فشبّه يمينه من تلك الصفات الحاجبيّة بالحجر الأسود المعبّر عنه بالركن المقبّل لمشابهتين ، الأولى : أن الحجر يسمى يمين اللّه لأن العهود عنده تجدّد والمواثيق بمسّه تؤكد فيشابه اليمين ، والثانية : أن الحجر مقبّل الناس كاليمين ، وشبه فاه بالقبلة وعلّله بوجود حكم الشرع في فيه ؛ إذ الحكم شبيه بالقبلة من حيث إقبال المسلمين عليهما ، والإقبال على المظروف يستلزم الإقبال على الظرف ، أشار إلى هذا التشبيه باستعارة القبلة للفم وقرينتها نسبة صدور القبلة من القبلة ؛ إذ لا شكّ أن القبلة مصدرها الفم ليس إلّا . ثم استكمل تشبيه أحواله ببقايا مناسك الحجّ ، وقال : وقولي بالمعنى طوافي حقيقة * وسعي لوجهي من صفائي لمروتي