ابن الفارض
169
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
القرآن وزيّنه بصوته الطيب الموزون ، أو يغني الصيّت بألحانه الحزينة وذكرني حضرة المحبوبة ، وأخذني الوجد الذي يكاد ينزع روحي شوقا إلى تلك الحضرة ، وإلى مرافقة الأرواح الحاضرة بها وجدت حينئذ بسبب ذلك الأخذ بمجامع روحي عند ذكر المحبوبة الحاصل بواسطة تحبير تال أو تلحين صيت حاله مثل حالة يجدها صاحب الكرب في وقت نزع روحه حين توفّته الملائكة لقبض الأرواح ، ثم قال : فواجد كرب في سياق لفرقة * كمكروب وجد لاشتياق لرفقة فذا نفسه رقّت إلى ما بدت به * وروحي ترقّت للمبادي العليّة كشف بهذين البيتين فضلة قناع الشبهة عن وجه كمال المشابهة بين حالة في السماع ، وحال المكروب عند نزع روحه ، أي بسبب ما قلنا يكون صاحب النزع المعبّر عنه بواجد كرب في ما يسوقه الموت إلى مفارقة نفسه القالب مثل صاحب السماع المعبّر عنه بمكروب ، وجدلا لاشتياقه إلى رفقة من الأرواح المجرّدة عن ملابس القوالب ، وأراد به نفسه وروحه المشابهة إن وجدت الكرب المشار إليه ب ( ذا ) مالت نفسه عند الفزع إلى مظهرها ، وهو البدن ، وروحي الذي هو مكروب الوجد مالت إلى الأرواح القدسية التي هي المبادئ العليّة ، وترقّت إليها ، فكل منهما مشابهة للآخر [ 211 / ق ] في أنه مكروب ، فوجود ميله إلى محبوبه وبعده عنه ، وخير مشابه له من حيث إن واجد الكرب مائل إلى البدن السفلي ، وروحه مائل إلى مرافقة الأرواح ، فشبّه ( واجد الكروب ) ب ( مكروب الوجد ) إشارة إلى ترجيح وجه المشابهة في المشبّه به ، ولمّا كانت الرقّة بمعنى العطف والشفقة ، وهو يتضمّن معنى الميل عداها يحرفه ، وقال : ( رقت إلى ما بدا به ) وعبّر عن الأرواح والعقول والنفوس المجرّدة بالمبادىء ؛ لأنها مبادئ التصرّفات في عالم الكون ، ولما فرغ من بيان حاله في السماع بعد بيان مقامه في عالم الوحدة رجع إليه مشيرا إلى مقامه في الوصول ، وقال : وباب تخطّي اتّصالي بحيث لا * حجاب وصال عنه روحي ترقّت تخطّيته : تجاوزته ، والياء الأولى في ( تخطّي ) من نفس الكلمة ، والثانية ياء المتكلم أدغمت الأولى فيها ، و ( اتّصالي ) مفعوله ، و ( باب ) مبتدأ وخبره ( روحي ترقت عنه ) ، أي : وباب تجاوزي عن اتّصالي ترقّت عنه روحي إلى ( حيث لا حجاب وصال ) ، معناه : لم يبق لي شيء من ذات أو صفة أو فعل منسوب إليّ يحجبني عن مقام الوصول ، فتخطّيت اتصال ذاتي ذات المحبوب وترقّت روحي عن حجاب تخطّي