ابن الفارض

167

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

ينبئ الأنبياء بطريق الوحي والأولياء بطريق الإلهام ، والعقلاء بطريق الفطنة والوحي لا يكون إلّا عند كشف الحجاب ، وهو قسمان : وحي مشافهة من غير واسطة ، ووحي مراسلة بواسطة إرسال الملك والإلهام يكون من وراء حجاب ، وكذا الإنباء بطريق الفطنة إلّا أن حجاب الفطن غليظ لا يتراءى له منه وراء ذلك شيء ، وحجاب الملهم رقيق يستشفّ من ورائه نور اليقين ، فلذلك شبّهه بوحي على صيغة التنكير أي نوع منه ، وهو وحي بمشافهة لمشابهتهما في عدم إرسال الملك في كلّ منهما ووجود اليقين : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [ الشّورى : الآية 51 ] ، ينطبق على ما ذكرنا من درجات الإنباء ، ثم قال : [ 208 / ق ] إذ أنّ منّ شدّ القماط وحنّ في * نشاط إلى تفريج إفراط كربة يناغي فيلغي كلّ كلّ إصابة * ويصغي لمن لاقاه كالمتنصّت وينسيه مرّ الخطب حلو خطابه * ويذكره نجوى عهود قديمة ( القماط ) : ثوب يشدّ به أعضاء الوليد ، و ( المناغاة ) : تكليمك الصبي بما يسرّه ويجذبه من الكلام ، و ( الكلّ ) والكلال : التعب ، و ( الإصغاء ) إلى الشيء ، وله الميل بالسمع نحوه ، و ( التنصّت ) : الإنصات السكون للاستماع ، ووصف الوليد بهذه الأوصاف لبيان وجه المشابهة بينه وبين نفسه ، أي : كما أن المناغاة تفرج كربة الوليد إذ أن من شدّ القماط وحنّ إلى تفريج كربته فيلغي به كل ما أصابه من الكرب ، ويصغي إلى المناغي مثل المستمع إلى متكلّم وينسيه حلاوة خطاب المناغي مرارة خطبه ، أي : كربته ، ويذكره مسامرة روحه مع محبوبه ؛ إذ أخذ عليه العهود القديمة ، فكذلك يفرج قول الشاوي كربة روح المحبوس في وثاق النفس ، فيلغي به كل همّ أصابه ، ويميل بسمعه نحوه للاستماع وتنسيه حلاوة خطابه مرارة كربه الحادث من تنازع الروح والنفس وتذكّره مسامرته مع المحبوب إذا أخذ عليه الميثاق حيث خاطب العموم ، فقال : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : الآية 172 ] ، ويوافق هذا المعنى قول الجنيد حين سئل عن شخص وقور لا يحلّ صبوة ، ومسامرة بحال ، فإذا سمع صوتا موزونا يظهر فيه قلق ، ويصدر منه حركات غير معتادة ، فقال : ( لمّا خاطب سبحانه يوم الميثاق ذوات ذريات آدم - عليه السلام - بقيت حلاوة ذلك الخطاب في مسامع أرواحهم لا جرم أنهم إذا سمعوا طيبا تذكروا حلاوة ذلك الخطاب ، فتظهر منهم الحركات الغير المعتادة شوقا وطربا ) كان سماع الوليد ورقصه لذلك بريئا عن