ابن الفارض
16
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
وفصّل الناظم - رحمه اللّه - عالم الغيب إلى [ 11 / ق ] ثلاثة عوالم تكون مع عالم الشهادة أربعة ، وعبّر عنها بالغيب والملكوت « 1 » والجبروت ، فنزل المحدثات الغائبة عن الحسّ إلى اسم الغيب ، وعبّر عن الذات المقدّسة بالجبروت ، وعن صفاتها الجسمية بالملكوت فرقّا بين المحدث والقديم والذات والصفات ، والجبروت والملكوت صفتان للمبالغة بمعنى الجبر والملك ، والجبر إمّا بمعنى الإجبار من قولهم : جبرته على الأمر وأجبرته أكرهته عليه أو بمعنى الاستعلاء من قولهم : ( نخلة جبارة إذا فاتت الأيدي ) ، والملك هو التصرّف الصحيح بالاستعلاء ، والجبار الملك تعالى كبريائه منفرد بالجبروت ، لأنه يجري الأمور مجاري أحكامه ، ويجبر الخلق على مقتضيات إلزامه ، ولأنه يستعلي عن درك العقول بالملكوت لأنه يتصرّف في الخلق على سبيل الاستعلاء ، وله كل شيء جبروت لترفّعه بالذات عن كل شيء ، وملكوت لتصرفه بالصفات في كل ميت وحيّ ؛ والصفات وبسائط التصرّف وروابط التآلف من الأسماء والأفعال كاللطف والقهر المتوسّطين بين اللطيف والملطوف والقهار والمقهور ، ويسمّى لهذه الجهة ملكوتا ؛ وبين كل مربوب وربّه نسبة مخصوصة هي ملكوته الذي بيد الملك الجبار يتصرّف فيه بتوسّطه ، وكما خصّ الناظم بعض عوالم الغيب باسم الغيب خصّ بعض عوالم الملكوت باسم الملكوت ، وهو الصفات الإلهيّة ؛ لأن الملكوت وإن كان ثابتا في القوى الروحانية والنفسانية والطبيعية اللواتي هنّ روابط التصرّف في الكون ، لكنّه أحقّ بالصفات الأزليّة لأنها الملكوت الأعلى وما سواه ، فهو الملكوت الأدنى ، ولما كان الاسم في الحقيقة هو الذات المتّسمة بصفة كان موقع الأسماء ومستقرّها عالم الجبروت ، ووجودها فيما تحتها من العوالم ليس إلّا بطريق التنزّلات [ 12 / ق ] . فتنزل أولا : إلى عالم الملكوت من جهة اتّصافها بالصفات . وثانيا : إلى عالم الغيب من جهة إبداعها الروحانيّات وانخلاعها عليها . وثالثا : في عالم الشهادة من جهة تكوينها الجسمانيات وظهورها فيه ، ولا عالم تحته تنزل إليه ، فيرجع بطريق الإدراك من المحسوسات إلى الحواس ، ومن الحواس إلى المحسّ ، وهو النفس ، فتطلع حينئذ طوالعها من مطالع آثارها في عالم الغيب
--> ( 1 ) عالم الملكوت : هو عالم الغيب المختصّ بالأرواح والنفوس .