ابن الفارض
159
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
يشاهدها فكري بطرف تخيّلي * ويسمعها ذكري بمسمع فطنتي ويحضرها للنّفس وهمي تصوّرا * فيحسبها في الحسّ ، فهمي نديمتي ( ناح ) : رفع صوتا حزينا ، ولذلك يطلق على المصاب ، و ( معنى الحزن ) : من يعينه الحزن ، و ( الأي ) : جمع أية ، وأراد ب ( الفكر ) : الفاكرة ، وهي قوّة تنبعث لطلب شهود الحقائق في صورها المثالية ، وهي من الحواسّ الباطنة بمثابة البصر من الحواس الظاهرة ، فلذلك أسند إليها المشاهدة ، و ( بالذكر ) : الذاكرة ، وهي قوة في النفس تتهيّأ لقبول التذكير ، ووعي المعاني فيها ، وهي من الحواس الباطنة بمثابة السمع من الحواس الظاهرة ، ولذلك أسند إليها السماع ، وبالوهم الواهمة [ 197 / ق ] ، وهي قوة تحضر للنفس صورة معنوية أو غير مطابقة على سبيل البداهة ، بالفهم الفاهمة : وهي قوة مدركة للنفس تدرك بها الحقائق والتخيّل ملاحظة خيال المحسوس والصور عند قبول النفس صورة مثالية جسمانية ، أو روحانية ، والهاء في ( بسمعها ) ضمير المحبوبة ، وهو المفعول الثاني له يتعدّى إليه بنفسه ، و ( بمن ) والأول محذوف عائد إلى مصدر ( ناح ) ، أي : يسمع الذاكرة ذلك النوح من المحبوبة ، وإضافة المعنى إلى الحسّ يتضمن من ( أي ) إذا ظهر معنى من جنس الحسن في أيّ صورة كانت بشرية أو غيرها ، ورفع من عناه الحزن صوتا حزينا في قراءة آيات سورة من القرآن يشاهد فكري بعين التخيّل خيال جمال المحبوبة في ظهور ذلك الحسّ ، ويسمع ذكري باسم كياستي ذاك الصوت الحزين من المحبوبة ، ويحضر وهمي صورة ذات المحبوبة للنفس فحسبها فهمي نديمتي في حس البصر بالمحاضرة ، وفي حسّ السّمع بالمجاورة ، وتحقيق الكلام في هذه الأبيات أنه أراد بيان دوام التجلّي بدوام نفي الالتباس ، وتعرّض في بيان ذلك لسدّ مسالك الالتباس ، ولا يخفى على المتفطّن أن مراد الناظم من ذكر شهود فكره حضرة المحبوبة ، وإحضار وهمه إياها بيان نفي الالتباس بذكر الاشتغال أسبابه بتخيّل الصورة الوهميّة المطابقة للصور العلمية في النفس ؛ لإثبات أهل مشاهدته ، فإن للعارف مشاهدات روحانية ومحاضرات قلبية ، ومسامرات سرّية جلّت عن الأفهام والأوهام ، والكلام في البيتين الأوّلين من باب اللفّ والنشر ، ولما كان مشاهدة الحسن وسماع الألحان ، لا سيما من محبوب يورث سكرا هو من أعجب أنواع السكر ، قال : [ 198 / ق ] فأعجب من سكري بغير مدامة * وأطرب في سرّي ، ومنّي طربتي