ابن الفارض

151

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

الجمع ، فوجوده واسطة وصول برّ محبة المحبوب إلى محبّته ، وكذا وشاية الواشي تكون لمعة من لمعات أنوار محبّته للمحبوب ، والمحبوب هو المحب نظرا إلى معنى الجمع ، فوجوده أيضا رابطة وصول برّه محبة المحبوب إلى محبّته وشهود هذه النّعمة من المحبوب الذي هو المنعم الحقيقي لا من الوسائط ، وإن كان ناشئا من النظر بعين الجمع ، لكن مسعر ببقية تفرقة وهي المباينة بين جهتي المنعم والمنعم عليه ، والمثني والمثنى عليه ، فلهذا استدركها بقوله : و ( الكل آثار نعمتي ) لتتخذ الجهتان ، وقوله : وغيري على الأغيار يثني ، والمسوّي * سواي يثني منه عطفا لعطفة وشكري ليّ ، والبرّ مني واصل * إليّ ، ونفسي ، باتّحادي استبدّت ( سوى ) بمعنى الغير ، وكذا ( سواء ) ممدودة ، وثنى ( العطف ) أي : صرف جانبا منه كناية عن التكبّر [ 187 / ق ] والإعراض ، و ( العطفة ) من قولهم عطف عليه إذا أشفق ورحم ، و ( من ) في قوله : ( منه ) صلة لتعدية ( يثني ) إلى مفعوله الثاني ، تقول : ثنى فلان عطفة مني إذا أعرض عنك ، والضمير في ( منه ) عائد إلى فاعل ( يثني ) ، وهو ضمير عائد إلى السوى ، واللام في ( والبرّ ) للعهد ، أي : البرّ المعهود ، ( والاستبداد ) : الاستقلال ، أراد : وغيري يرى الأغيار ويثني عليهم إلّا أنا ، وللغير غيري يعرض عن نفسه برؤية النعمة من الغير لإشفاقه عليه لا أنا ، وشكري حاصل لنفسي ، وبرّ المحبوبة أصل مني إلى نفسي مستقلّة بذاتها بسبب اتّحادي مع المحبوبة ، ثم أشار إلى مقام الاتّحاد وما فيه من الأسرار المستورة المتغطية عمّن سواه ، الكشوفة له عن حجبها بنفسه ، بقوله : وثمّ أمور تمّ لي كشف سترها * بصحو مفيق عن سواي تغطّت ( كشف ستر ) الشيء : محاه عن إبهام فيه ، و ( الستر ) بالكسر : اسم لما يستر به ، والصحو كما سبق ذكره نقصان إذا كان قبل السكر ، وكمال إذا كان بعد ما أفاق صاحبه من سكره ، فلذلك أضاف صحوه إلى مفيق ، أي نفسه أخبر عن مقام الاتّحاد بأن ثمّة أمور مستورة متغطّية عن سواه له كشف حجابها بواسطة صحو مضاف إلى نفسه حالة الإفاقة واختصاصه بهذه الحالة ؛ لأن الصاحي قبل السكر لا يهتدي إلى كشفها ، وإنما السكران لا يتم له ذلك ، وإن اهتدى إليه ؛ لأنه يعبّر عنه بلسان التصريح نحو ( أنا الحق ) ، وتمام هذا الكشف أن يعبّر عن تلك الأمور بالسرّيّة بالتلويح والتعريض لا بالتصريح بخوف المتعنّت والتلويح كاف لأرباب الذوق ، كما قال : وعنّي بالتّلويح يفهم ذائق * غنيّ عن التّصريح للمتعنّت