ابن الفارض

130

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

طريقها ؛ لأن من مات في سبيل اللّه فهو مأجور ؛ كما قال تعالى : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ النّساء : الآية 100 ] ، وهذه الآية وإن نزلت في المهاجرين إلى المدنية لكنها تتناول كل متّصف بحقيقة المهاجر ؛ إذ خصوص السبب لا يوجب خصوص الحكم ، وهو الخروج من بيت مراد النفس لطلب منار [ 160 / ق ] الحق ؛ كما ورد : ( المهاجر من هاجر ما نهى اللّه عنه ) ، وذلك في حق المحبّ أحقّ لأنه تخرج محبة ، وأكثر المهاجرين من خرج رغبة في الثواب أو خيفة العقاب ، فلذلك قال : فأنت بهذا المجد أجدر من أخي * اجتهاد مجدّ عن رجاء وخيفة أشار بهذا إلى ما سبق من وصف الاتّحاد ، ( أجدر ) : أحقّ ، أي : أنت أحق بهذا الوصف من مجتهد مجدّ اجتهادا ، وجدّا صادرين عن رجاء ثواب خيفة عقاب ، ثم قال : وغير عجيب هزّ عطفيك ، دونه * بأهناء ، وأنهى لذّة ومسرّة ( هزّ العطف ) أي : المنكبّ كناية عن التبختر بالتفاخر ، فإنه من خواص مشية المتكبّر المتفاخر ، والضمير في دونه ، أي : عنده يعود إلى المجد ، ( أهناء ) أفعل التفضيل من هنّأه ، والطعام مرأه خفّفت همزته ، و ( أنهى ) أفعل التفضيل من غير ثلاثي ، بمعنى : أقصى وأبلغ ، وفي هذا البيت من الصنعة قلب ولفّ ونشر ، يعني : لو تبخترت عند هذا المجد بأهنأ لذّة ، وأبلغ مسرة فغير عجيب ، فإن من فاجأه سرور مفرط قلّما يثبت على حاله ، ولا ينزعج ، ويكون تفاخره على الناسك المجدّ بأن لا يتطلّع إلى مقامه ، ولا ينكمد على ملامة ، وللاتّحاد أوصاف تصطفي المنسي ، وأسماء تسميه أي : ترفع ذكره ، فلذلك خاطب بقوله : وأوصاف ما يعزى إليه كم اصطفت * من النّاس منسيّا ، وأسماه أسمت ( العزّ ) و ( العزى ) النسبة إلى شيء ، ( اصطفى ) واجتبى : اختار ، والمراد ب ( المنسي ) : حامل الذكر ، وأصل ( أسماه ) أسمائه ، وحذفت همزته للضرورة والأسماء الرفع والتسمية ، أي : لو اصطفاك الاتّحاد من الناس ورفع ذكرك من حضيض النسيان إلى أوج الشهرة وخصّك بأهنك لذّة ، وأنهى مسرّة ، فليس بعجيب ؛ لأن أوصاف الاتّحاد وأسمائه كم اصطفت من الناس منسيّا ورفعت ذكره ، ثم خاطب مع هذا بنزوحه عن مقامه [ 161 / ق ] وبعده عن البلوغ إلى حدّه ومراتبه ، وأمره بالوقوف لي عند حدّه ، فقال :