ابن الفارض
12
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
جمع فيها من البلاغة أبنيتها ، فهي أعجب من بيض الأنوق ، وأغرب من الأبلق العقوق ، فللّه ربّي درّ ناظم درّها بحسناء وجه حسنها غير عارض ، أضاءت أقاليم القلوب بطلعة : لغرّتها شمس الضحى لم تعارض * تحدث فأعيا المفلقين بمثلها فيا عزّ نفس ما لها من معارض * أشار إلى ما ذاق من صرف وجده بأجلى بيان جلّ عن فرض فارض * أرانا جمال الحب في وصف حبّه جزى اللّه كل الخير عنّا ابن الفارض . ومما فتح لي من المواهب السنيّة والعطايا الهنيّة الاتفاق لمطالعتها والفوز بمرافقتها حيث وافيتها قد طلعت على من حجال الغيب ، فحققتها كحسناء متبرّجة ، وعذراء متفتّحة تمتنّ في جلابيب الحسن والنضارة ، وتميل في أساليب اللّطف والإشارة ، فانبعث مني دواعي التقرّب لها والاستئناس ، واستنطقتها للإياس بعد الإياس حتى إذا أنست بمجاورتي ، وأخذت من مسامرتي ، طفقنا بضوء نقاب تعززها بيد التوحيد ، وأكشف الحجاب تمنعها بأيدي التأيّد وأحل معاقد دررها ومناضد غررها بمحالل التأنّق والتحقيق ، وأنامل التأمّل والتدقيق ، فانحلّت عقد تعقيدتها ، وحلّت تعريصاتها ، واستلانت عريكة استعصائها ، ومكنت من العشاق والتلاق بعد إبائها ، فلمّا تصفحتها مرارا وقلبتها [ 7 / ق ] أطوارا ، واحتظيت بمعانيها على قدر ما قدّر لي من الاستعداد ، واجتلبت بمعانيها على ما وفق لي من النظر بالفؤاد وجدتها مبنيّة على قواعد العلم والعرفان ، منبثّة عن نتائج الكشف والوجدان ، مشيرة إلى أطلع اللّه ناظمها عليه ووصل قدمه إليه من حقائق التوحيد ودقائق التفريد والمواجيد الصحيحة ، والمكاشفات الصريحة ، والمعاملات النفسية ، والمنازلات الغليّة ، والمواصلات الروحيّة ، فخلق شدة الشفق بضبط فوائدها على تقييد ما انكشف لي من عوائدها بالكتابة ، فتلقيت داعية المخاطر في ما دعاني إليه بالإجابة ، وجرّدت مختصر في كشف معضلاتها وحل مشكلاتها تذكرة لمن تذكّر ، وتبصرة لمن تبصّر ، وسمّيته « كشف الوجوه الغرّ لمعاني نظم الدرّ » ، ولم أرجع في إملائه إلى مطالعة بشرح له كي لا ترتسم في قلبي رسوم وآثار لشدّ باب الفتوح ، وتتشبّث بأذيال الروح ، فأتلو حينئذ تلو الغير وأحذو حذوه في السير ، ودأبي في التجريد تفريغ القلب من مظانّ الريب ، وتوجيه وجهه تلقاء مدين الغيب استنزالا للفيض الجديد ، واستفتاحا لأبواب المزيد ؛ إذ لا شكّ أن يقول المرء بما خصّ من اللّه تعالى به خير