ابن الفارض
10
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
المقتبسين من مشكاة أقواله وأفعاله أنوار الهداية والعرفان المغترفين من بحار أخلاقه وأحواله مواد [ 3 / ق ] الدراية والوجدان . أمّا بعد ، فممّا شاع بين الناس ذكره ، وذاع أمره ، أنّ أنفع العلوم وأرفعها ، بل صفاوتها ونقاوتها : علم التوحيد ، فإن موضوعه الذات الأحدية والصفات الأزليّة ، ولا مطمع في النجاة إلّا بحصوله ، ولا فوز بالدرجات إلّا في وصوله ، ومرتبته ورفعة منزلته انقلبت البصائر عنه كليلة ، والعقول عليلة ، والنواظر حواسر ، والبوادر فواتر خلق بذات الهمم العالية لقصد إدراكه في جوّ الطلب ، فحيل بينها وبين الإرب ، وجالت جياد العقول السليمة لطلب غايته في ميدان النظر ، فخرّت في بدايته غير مقضية الوطر ، فهو كما قال أبو عليّ الدقّاق « 1 » - رحمه اللّه - : ( غريم لا يقضي دينه ، وغريب لا يؤدّي حقّه ) . ومن الفائزين بقصب السبق إلى أوائل سرادقاته في حلبة السباق أكابر الأنبياء وأجلّة الأولياء من أتباعهم من المحبّين الذين أذابوا نفوسهم بنيران الرياضات ، وتعوّضوا بلذّة ترك اللذة عن الشهوات ، فلم تسكن غلبة عطشهم إلا بظمأ الهواجر ، ولم تشرح نفوسهم إلّا بسهر الدياجر ، ففتح لهم [ 4 / ق ] أبواب المكاشفة والمشاهدة بعد طول العكوف على أعتاب المعاملة والمجاهدة ، ومن المحبوبين الذين كفّ عن أبصارهم حجب الكون وطوى دونهم بسط النون ، وأجلت سرائرهم على سرر المشاهدة « 2 » والمخالطة ، وأطلقت ضمائرهم في ميادين المسامرة والمباسطة ، وحبّبوا إلى حبيبهم قبل التحبّب ، فقرّبوا إليه قبل التقرّب ، وأخذوا بأيديهم عن مالك الرّيب ، فجاسوا بأقدام اليقين خلال ديار الغيب ، هم بالأرواح عرشيّون ، وبالأشباح فرشيّون ، وبالقلوب سماويّون ، وبالنفوس أرضيّون ، مع الخلق بالظواهر ، ومع الحقّ بالسرائر غيب ؛ فصار سكوت نظار ملوك تحت إظهار ، فلمّا ارتوت في منازل القرب محال الشرب سرائرهم مما أدبر عليها من كؤوس المشاهدات والمواصلات ، وطفحت في مجالس الأنس ومحاضر القدس ضمائرهم ، فما أدرّ عليهم من عيوب العلوم والمنازلات ، نفثوا عن مواجيدهم نفثة المصدور ، وباحوا بسرّ توحيدهم بوح السكران المسرور ، وتكلّموا في علم التوحيد بلسان الذوق والإشارة لضيق ظروف العبارة ، وغير هذه الطائفة من الباذلين جهدهم
--> ( 1 ) هو الإمام الفقيه الشافعي الصوفي : أبو علي حسن بن علي بن محمد الشافعي المتوفّى سنة 405 ه ، وانظر : صفوة الصفوة ( 4 / 447 ) . ( 2 ) المشاهدة : هي رؤية الحق ببصر الفؤاد .