عبد الله الأنصاري الهروي
775
منازل السائرين ( شرح القاساني )
[ ش ] هذا معلوم ممّا ذكر ، إلّا أنّ الشيخ - رضي اللّه عنه - أتى بالمعرفة مكان العلم مبالغة « أ » ، ليعلم أنّ الإدراك العرفانيّ الذوقيّ - الذي هو إدراك الشيء بعينه ، لا بتمثّل « 1 » صورته في العالم - إذا فنى في المعروف بتجلّي المعروف في العارف ، حتّى يكون معرفته للمعروف عين معرفة المعروف بذاته في طور العبد وعينه : فبالحريّ أن يفنى علمه في علمه ؛ فإنّ المعرفة أتمّ من العلم وأكمل ، وإذا فنى الأقوى فقد فنى الأضعف قبله . وأيضا فإنّ إدراك العبد للحقّ لا يمكن أن يكون « 2 » بحصول صورته فيه ، لامتناع حصول صورة مطابقة للحقّ في العقل ؛ لأنّ كلّ ما يحصل في العقل من الصور العلميّة « 3 » يكون مقيّدا - لأنّ العقل مقيّد - وإذا كان مقيّدا لم يكن صورة الحقّ ، لكون الحقّ أعظم من التقيّد واللاتقيّد ، وأعلى وأجلّ ؛ فلا يمكن إدراكه إلّا بطريق المعرفة ، كإدراك الإنسان ذاته بذاته ، فالعلم باللّه هو عين معرفته ، لا يكون إلّا ذلك « 4 » . « وكذلك العيان في المعاين » فإنّه لا يمكن أن يعاين الحقّ إلّا الحقّ ، ولا يعاين الحقّ بالحقّ إلّا عند فناء الرسوم كلّها فيه ، فيجحد وجود السوى ، وهو « الفناء جحدا » .
--> ( 1 ) م : لا يتمثّل . بقيّة النسخ مهملة . ( 2 ) ه : - أن يكون . ( 3 ) ب ، ج : - من الصور العلمية . ( 4 ) ج : كذلك . ( أ ) كلام الشارح تعريض على ما قاله التلمساني ( ص 570 ) : « وعندي أن يقول : فناء العلم في المعروف ، وذلك لأنّ طور العلم هو الخبر والعقل ، وفناؤه إنّما هو فيما فوقه ، والّذى فوق العلم هو المعرفة ، ثمّ المعرفة في المعروف ، وإلّا فمتى ذكر فناء المعرفة وترك فناء العلم ، ففي أي الأوقات يفنى طور العلم إذا فاته ما يليه ، وهو طور المعرفة والمحبّة . ولست ممن يأخذ على الشيخ ، غير أني أقول : ربّما تركه لقصد يعرفه . أو تسامح فيه ، أو اكتفى بشارحه - أو غير ذلك » .