عبد الله الأنصاري الهروي
600
منازل السائرين ( شرح القاساني )
« يستفيق له » أي يتنبّه له ويصحو من الغفلة . « شاهد السمع » وذلك إذا كان الوارد الذي يشهد له بصحّة حاله بخطاب سمعيّ . « أو شاهد البصر » وذلك إذا كان النازل الشاهد في صورة مبصرة يحسّ البصر بها . وكلاهما من عالم المثال والكشف الصوريّ ، كما في المنامات الصادقة . « أو شاهد الفكر » أي يستفيق له شاهد الفكر ؛ وهو بأن ينفتح له باب من المعاني الغيبيّة ، فتنزل المعاني من عالم القدس إلى عقله فيختطفها « 1 » الفكر ، مثل كيفيّة صدور الأشياء من الباري تعالى « 2 » وكيفيّة تدبيره للموجودات ، وبعض المعارف والحقائق ، وعلم صفات الحقّ وأسمائه « أ » . وهذا أعلى من القسمين الأوّلين ، وذلك لأنّهما من مشكاة الخيال
--> ( 1 ) ج : فيحفطها ( مهمل ) . ( 2 ) ج ، ب : - تعالى . ( أ ) قال التلمساني ( ص 424 ) : وهنا دقيقة يعرفها أهل تجارب الخلوات ، وهو أن يصفو الفكر فيتمعنى بعض المعاني الغيبيّة الغريبة ، فيستغر بها العقل ، لكونه ما ألف مثلها ، فتصرفه العادة إلى تلقّيها من جهة الخارج . لأنّ الأمر المستغرب جرت العادة أن يسمعه الإنسان من غيره ، ولم يعتد أن يجده من نفسه ، ولأجل لطف إدراكه يصير المتخيّل في الظهور بمنزلة الصوت المسموع ، ولا بدّ في إدراك هذا من غفلة واستغراق ، لأنّ التباس شيء بشيء آخر لا يحصل لمن وعيه كامل ، بل لمن هو في حكم غفلة ، وأمّا شاهد الحسّ البصري فهو أقرب إلى تحقيق إدراك الحسّ ، إلّا أن متعلّقه بالصور غرّارة مكّارة سحّارة فتّانة ، وهي جزئيّات ، والمكاشفات في الغالب لا تكون إلّا في الكلّيات ، إذ نهاية الكشف التوحيد الرافع للكثرة ، وستجد ذلك إن شاء اللّه تعالى . قوله : « أو شاهد الفكر » يعني أنّ شاهد الفكر يستفيق من ذلك الوجد العارض ، ويتنبّه ، وتنبّه هو أن يفتح له باب من اعتبار المعاني وكيفيّة صدور الأشياء عن الباري تعالى ، كيفيّة تدبير الحقّ تعالى لموجوداته ، وذلك لا يكون إلّا بنور إلهي يرشده إلى طريق الاعتبارات ، ويعرّفه كيف يتناولها .