عبد الله الأنصاري الهروي
555
منازل السائرين ( شرح القاساني )
--> ولا يخفى ما في الكلامين من الاختلاف ، إذ الظاهر من كلامه في الاصطلاحات أنّ مقام « أو أدنى » يصل العارف إليه في السفر الثالث ، ومن قوله في اللطائف أنّه في السفر الرابع وإن أمكن التوفيق بينهما مع بعض التكلّف . وقال الحكيم الإلهي صدر المتألّهين - قده - في مقدّمة كتابه ( الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة : 1 / 13 ) : « واعلم أنّ للسلّاك من العرفاء والأولياء أسفارا أربعة : أحدها السفر من الخلق إلى الحقّ ، وثانيها السفر بالحقّ في الحقّ ، والسفر الثالث يقابل الأوّل ، لأنّه من الحقّ إلى الخلق بالحقّ . والرابع يقابل الثاني من وجه ، لأنّه بالحقّ في الخلق » . وقال المحقّق المتألّه السبزواري في حاشيته على هذا الكلام ( نفس المصدر : 1 / 18 ) : « قال الشيخ المحقّق كمال الدين عبد الرزاق الكاشي قده : « السفر هو توجّه القلب إلى الحقّ تعالى . . . » . ثمّ قال السبزواري بعد نقل ما أوردنا من كلام الشارح من اصطلاحاته : « والمرتبة الأحدية عندهم اعتبار الذات مع انتفاء الأسماء والصفات والنسب والتعيّنات ، والمرتبة الواحديّة اعتبار الذات مع الأسماء والصفات الملزومة للأعيان الثابتة . والقلب - على ما قال هذا القائل الكامل - : جوهر نوراني مجرّد يتوسّط بين الروح والنفس ، وهو الذي يتحقّق به الإنسانيّة ، ويسمّيه الحكيم « النفس الناطقة » والروح باطنه ، والنفس الحيوانيّة مركبه ، وظاهره المتوسّط بينه وبين الجسد ، كما مثّله في القرآن المجيد بالزجاجة والكوكب الدرّي ، والروح بالمصباح ، في قوله تعالى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [ 24 / 35 ] والشجرة هي النفس ، والمشكاة هو البدن . فالنفس عند العرفاء هو البخار اللطيف المتولّد في القلب القابل لقوّة الحياة والحسّ والحركة - وهذا يسمّى عند الأطبّاء بالروح - والروح عندهم اللطيفة الإنسانيّة المجرّدة المتوسّط بينهما ، المدرك للكلّيّات والجزئيّات . ولا يفرّق الحكماء بين القلب والروح الثاني ، ويسمّونها النفس الناطقة . فهذه أربع من اللطائف السبع الدائرة على ألسنة العرفاء ، من الطبع والنفس والقلب والروح والسرّ والخفي والأخفى . وقد أشار هذا المحقّق العارف إلى الثلاث الأخيرة بالمقامات الثلاثة ، وهي « مقام قاب قوسين » و « مقام أو أدنى » و « مقام البقاء بعد الفناء » . وإن سمّينا السفر الثالث الذي أشار إليه بقوله : « هو الترقّي إلى عين الجمع » بالسفر من الحقّ إلى الحقّ كان حسنا . وفي القرآن المجيد أيضا جاءت مراتب الإنسان سبعا ، وهي المشكاة ، والشجرة المباركة ، والزجاجة ، والمصباح ، والكوكب الدرّي ، والنار ، ونور على نور . وعند الحكماء أيضا سبع : العقل الهيولاني ، والعقل بالملكة ، والعقل بالفعل ، والعقل المستفاد ، والمحو ، والطمس ، والمحق . ولا يخفى مخالفة ما ذكره المصنّف ( قده ) [ صدر المتألهين ] لما ذكره هذا العارف ، لأنّه لم يذكر بعد السفر من الحقّ إلى الخلق سفرا آخر . ولعلّ ما ذكره المصنّف اصطلاح آخر ، ولا مشاحّة فيه » . انتهى حاشية المحقّق السبزواري ، وإنّما حكيناه بطوله لصلته بالكتاب .