عبد الله الأنصاري الهروي
309
منازل السائرين ( شرح القاساني )
« ولا تقف عندها همّة » بأن يستحسنها صاحبها ويرضى بها ، فتقف همّته عندها ، فتقصر عمّا فوقها من المراتب والدرجات ، ولا يرتقي إلى الكمال ، فيبقى تحت القصور ويحرم الخير الكثير ؛ فإنّ السالك إذا قنع لحقه الحرمان . - [ م ] والدرجة الثانية : تهذيب الحال « أ » : وهو أن لا يجنح الحال إلى علم ، ولا يخضع لرسم ، ولا يلتفت إلى حظّ . [ ش ] أي لا يميل الحال إلى حكم من أحكام العلم ، فإنّ الحال يقتضي المعرفة والعلم يقتضي العمل ؛ وحكم الحال هو الغلبة ، فإن غلبه حكم من أحكام العلم أو عارضه ، فلضعف الحال أو لعدم صحّته ، إذ الحال ميراث العمل وروحه الذي يحيى به العمل « 1 » ، والمعرفة ميراث الحال وروح العلم الذي يحيى به ، فإن عارض حكم العلم الحال فقد رجع القهقرى وغلب الجسم الروح وانتكس الأمر ، لأنّه انحطاط إلى أوّل المراتب الذي هو العلم المتعلّق بالعمل ، فلا يوزن الحال بميزان العلم .
--> ( 1 ) د ، ع ، م : - العمل . ( أ ) قال الشارح في الاصطلاحات ( باب الحاء : 57 ) : « الحال ما يرد على القلب بمحض الموهبة من غير تعمّل واجتلاب - كحزن أو خوف أو بسط أو قبض أو شوق أو ذوق ، يزول بظهور صفات النفس - سواء أعقبه المثل أو لا . فإذا دام وصار ملكة يسمّى مقاما » . وقال في اللطائف ( الحال ، 231 ) : « وليس من شرط الحال أن يزول ويعقبه المثل ، بل قد يعقبه المثل بعد المثل إلى أن يصفو ، وقد لا يعقب المثل ، فمن هنا نشأ الخلاف ، فمن أعقبه المثل قال بدوامه ، ومن لم يعقبه المثل قال بعدم دوامه . . . وقيل : الحال تغيّر الأوصاف على العبد ، وقالوا : الحال - كاسمه - كما حلّ بالقلب حال عنه وزال . . . فحاصل تسمية الحال حالا إنما هو لتحوّله وزواله وعدم ثباته ، وسمي المقام مقاما لإقامته واستقراره ، ولهذا وصف الواحد هو بعينه حالا وهو مقام أيضا ، وذلك لأنّ الوصف ما دام غير ثابت ولا مستقرّ فهو حال ، فإذا دام واستقرّ وثبت صار مقاما . . .