عبد الله الأنصاري الهروي
30
منازل السائرين ( شرح القاساني )
الحاصلة من شهود الحضرة ، يعني حضرة الجمع ، وهو الشّهود الذاتيّ ، وذلك أنّ من شهد حضرة الجمع رأى لطفا لا يمازجه بالذّات خوف من شيء أصلا ، فأمّا بالعرض الناشئ عن شهود التّفصيل ، فقد يخاف من الجزئيّات لا من الأصل ، ولذلك كان أهل المقام يفترون عن الأعمال الشاقّة ، ويقتصرون على الفرائض والسّنن الرّواتب ، لما حصل لهم من هذه الطمأنينة . قوله : « وطمأنينة الجمع إلى البقاء » يعني أنّ من شهد حضرة الجمع وجدها تمحو الأغيار ، وتعفي الآثار ، وترفع الثنويّة أصلا ورأسا ، فيذهب عن رؤية الخلق ويرى الحقّ بذاته ، منفردا في كثرة أفعاله وأسمائه وصفاته ، ويرى بقاءه في سرمدانيّته ، وحضرة الجمع مشتملة عليه ، فيشهد البقاء ببقاء ربّه عزّ وجلّ ، فيطمئنّ إلى ذلك البقاء ، فهذه هي طمأنينة الجمع إلى البقاء . قوله : « وطمأنينة المقام إلى نور الأزل » فهو شهود العبد بعين القدم نور الأزل ، ومعنى قولي : « بعين القدم » ، أي يرى بعين ربّه عزّ وجلّ لا بعينه ، يقتضي قوله عليه السّلام حكاية عن ربّه عزّ وجلّ : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » . « ومعنى شهوده نور الأزل ، هو أن لا يرى لصفات ربّه بداية ، فكيف لذاته ، وهذا الشّهود هو شهود أهل البقاء بعد الفناء ، وهو من أوائل السّفر الثاني ، ويسمّى هذا السّفر الثاني في اللّه ، أي في مراتب ظهورات أفعاله وصفاته وأسمائه ، والتنقّل فيه يسمّى التّلوين في التّمكين ، والنّاس يعظّمون صاحب ذاك السّفر أكثر ممّا يعظّمون صاحب هذا السّفر الثاني ، لبعد الثاني عن إدراكهم . وبعد كمال هذا السّفر وانتهائه القطبيّة الوجوديّة التي هي مركز المراكز ، وصاحبها قطب الأقطاب ، يكون بداية السّفر الثالث ، وهو سفر المرسلين ، ويسمّى السّفر باللّه إلى خلقه ، وفيه يكون التنزّل إلى مقادير العقول ، وليس بعده إلّا السّفر الرّابع ، وأكثر ما يكون عند الموت ، وإليه أشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله في حالة السّياق : اخترت الرّفيق الأعلى ، وإنّما اختار