عبد الله الأنصاري الهروي

21

منازل السائرين ( شرح القاساني )

وطهّره بماء قدسه ، فحاز من المنح والمواهب ما فاز به بجميع المقامات والمراتب ، بلا كلفة المكاسب والمتاعب . ويدلّ عليه قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « جذبة من جذبات الحقّ توازي عمل الثقلين » . وأصحاب الجذبات على ثلاثة أقسام : مجذوب غير سالك ، وسالك غير مجذوب ، ومجذوب سالك . أمّا الأوّل : فهو الذي أشرنا إليه ، لأنّه مجذوب غير محتاج إلى السلوك . وأمّا الثاني : فهو الذي يسلك الطريق ثمّ تحصل له في أثنائه جذبة ويكون بحكمها ، وذلك مستحسن ؛ وأمّا الثالث : فهو الذي تحصل له الجذبة ، ثم يسلك الطريق ويصل إلى المقصود بهما - أي بالجذبة والسلوك - وهذا أحسن من الكلّ وأعظم » . فالمنازل التي يشرح في هذا الكتاب كلّها منازل « المريد » - كما أشار إليه الشارح فيما حكينا عنه - وأمّا منازل « المراد » ويسمّونه القوم ب « المجذوب السالك » فلا يلزم شرح منازله ، فإنّه « رجل مختطف من وادي التفرقة إلى وادي الجمع » فلا يسلك باختياره ولا يلزمه معرفة الطريق وجوبا ، لأنّ ناصيته بيد مختطفه يسلك به في الصراط المستقيم المتناسب له وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ [ 39 / 37 ] . والمايز العام في ترتيب الدرجات الثلاث أنّ السالك في الدرجة الأولى يرى نفسه وعمله وأنّه العامل ، ثمّ إذا وصل إلى الدرجة الثانية وشهد بأن الكلّ فان عند ظهور الحقّ والأسباب ساقطة عند رؤية مسبّب الأسباب ، قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [ 4 / 78 ] فيشرع في تصحيح ما أخطأ في الدرجات الأولى من رؤية نفسه وعمله ورسومه ، فيصير على ما قاله الأنصاري : « مشاهدا سبق الحقّ بحكمه وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه بأحايينها وإخفائه إيّاها في رسومها ، وتحقّق معرفة العلل وتسلك سبيل إسقاط الحدث » . وإذا وصل إلى نهاية الدرجة الثانية من كلّ منزل ينظر إلى ما سبق له ويتوجّه إلى العلل التي كانت له في سلوكه في الدرجة الثانية من رؤية نفسه مصحّحا لما أخطأه في الدرجة الأولى ، فيفني عن ذلك الرؤية ولا يرى نفسه ولا عمله ورسوماته ، وعند ذلك