عبد الله الأنصاري الهروي
182
منازل السائرين ( شرح القاساني )
وفي الأصول طيران القلب في الترقّي لصحّة العزم وقوّة الإرادة وتنسّم روح الانس واستشراف نور المودّة . وفي الأودية الانخراط في سلك التوحيد بهداية العلم والحكمة وتحديق البصيرة لاستشراف لمعان أنوار التجلّي بقوّة الهمّة . وفي الأحوال الانجذاب إلى الجناب الإلهي بقوّة الحبّ والولوع بنور الجمال لشدّة الشوق . وفي الولايات الاستغراق في بحار سبحات الجمال والانقطاع عن الأغيار لهتك أستار الجلال . وفي الحقائق اللياذ بنور أحديّة الذات من استيلاء سلطنة أنوار كثرة الصفات . وفي النهايات الاضمحلال في عين جمع الوجود والخلاص عن رسم التعيّن بمحض الشهود . قال في مئة ميدان : الميدان الثالث الإنابة من ميدان المروّة يتولّد ميدان الإنابة ، قوله تعالى وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ [ 40 / 13 ] . الإنابة ما ذا ؟ الرجوع بالكلّ من شيء . الإنابة على ثلاثة أقسام : الأول إنابة الأنبياء - صلوات اللّه عليهم - الذين رجعوا بكلّهم ، ولا قدرة لغير الأنبياء لذلك . قال لإبراهيم عليه السّلام : أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [ 11 / 75 ] ولداود قال : خَرَّ راكِعاً وَأَنابَ [ 38 / 24 ] وقال لشعيب : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [ 11 / 88 ] . ولمصطفى صلى اللّه عليه وسلّم : وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ [ 31 / 15 ] . والإنابة الأخرى التوحيد ، فدعا الأعداء : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ [ 3954 ] مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ [ 30 / 31 ] . الثالث إنابة العرفاء ، فالرجوع في الحال معه : وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ [ 39 / 17 ] . وأما إنابة الأنبياء ثلاثة أشياء : التخوّف مع بشارة الحريّة ، والخدمة والاستكانة مع شرف النبوّة ، وتحمل عبء البلاء بقلوب مملوّ من السرور . وإنابة التوحيد لها ثلاث علامات : الإقرار والإخلاص وقبول بصيريّته ، والثانية الانقياد لطاعته ، الثالث حفظ حرمة نهيه . ولإنابة العرفاء علامات ثلاثة : البعد عن المعصية ، والخجل من الطاعة ، والأنس مع الحقّ في الخلوة .