عبد الله الأنصاري الهروي

142

منازل السائرين ( شرح القاساني )

--> كلّ واحد منهما مرآة للآخر بهذا الحكم المذكور ، فيظهر من بين ذلك حقيقة كل شيء وسرّه - كما هو في حضرة العلم الأزليّ - بلا تغيير وتبديل . فأوّل ما يتبتدى السرّ الباطني من وراء ستر رقيق من صفة أو حقيقة إلهيّة أو كونيّة لسرّ ظاهريّ ، ولكن من خلف حجاب شفّاف من اسم الهيّ مقيّد بحكم ، مختصّ بوصف ، ويسمّى ذلك مكاشفة ، لانكشاف حقيقة كلّ واحد منهما بحكمه ووصفه على الآخر . ثمّ إذا بان كلّ واحد منهما للآخر بلا مظهر حقيقة وصفة ، لكن مع خصوصيّة وتميّز بسر مّا علمي مدرج في كلّ واحد منهما فيسمّى مشاهدة . ثمّ إذا عاين كلّ واحد منهما عين صاحبه بلا وصف وخصوصيّة - إلّا كون هذا ظاهرا والآخر باطنا - فيسمّى معاينة . ثمّ إذا تجلّى كلّ واحد منهما للآخر بعينه ووصفه وخصوصيّته - ولكن لا يحجبه الوصف عن العين أيضا - فهي حياة سارية فيهما ، وتلك الصفة والخصوصيّة إمّا علم أو أمر جامع بينهما أو عين وجود ينصبغ جميع النسب بصبغته ، فيؤمّن موت هذه الحياة كلّ واحد منهما من موت الاعتلال من الأحوال وعن الانفصال من عين هذا الاتّصال وعن موت الغيبة عن أزل الآزال . فإذا كانت هذه المكاشفة والمشاهدة والمعاينة والحياة مقصورة عليه فهو في قبض ، فإذا انبسطت منه حتى تخطّى بها بواسطته آخر ، فالساير في بسط ؛ وفي القبض والبسط معنى آخر ، وهو أنّه إذا كان مدده في هذه الأمور من حضرة جلال الغيب وإطلاقة ، ينطوى السيّار في جلبات القبض ، بحيث لا يتفرّغ للإدراك والنظر أصلا ، وإن كان من عين الجمال فينبسط ويظهر في صورة ملق وسؤال ، فهو في بسط ، حتى ربما يسكر من قوّة الذوق فيتجاوز طوره ، فإذا صحى تاب ؛ وذلك أعلى مقام التوبة . ثمّ يتواصل بالإمداد عليه ، فتوصله بالممدّ ، ثمّ ينفصل عن الاتّصالات المنبئة عن نوع من الانفصال . ثمّ ينفصل عن رؤيتهما لكونهما عين الاعتلال ، وهذا كلّه من شعب المرتبة الثانية من التلوين ، وحكم التقيّد يصحبها ، فيوجب احتجاب كلّ واحد منهما عن الآخر عند تفرّدهما .