عبد الله الأنصاري الهروي
134
منازل السائرين ( شرح القاساني )
--> المختصّ بالنفس ، لا الحقيقيّ - وظهر أيضا في ضمن ظهوره بصره وسمعه الخصّيصان المنصبغان بحكم وحدته وعدالته ، فلا يرى كلّ ما ينتظر بهذا البصر إلّا حسنا جميلا ، ولا يسمع إلّا كذلك . . . وإذا فنيت عن نفس هذا السالك في هذه الأقسام الثلاثة والمقامات الكلّيّة التسعة حجب أحكام الكثرة المذكورة وكثرتها وظهرت وحدتها وحصل له هذا النظر المذكور ، حينئذ ينتقل من مقام الإسلام الذي هو حدقة الإيمان إلى باطنه الذي هو نور حدقة الإيمان . ولمّا كانت العلاقة بين النفس والروح والسرّ قويّة جدّا ما دامت ظاهرة في هذه النشأة الدنيويّة ، وكل واحد منها له نشأة مخصوصة به ، فنشأة النفس حسّية شهاديّة وحكمها مختصّ بمرتبة الإسلام ، ونشأة الروح غيبيّة إضافيّة كونيّة وحكمها مختصّ بباطن الإيمان ، ونشأة السرّ غيبيّة حقيقة حقّيّة وحكمه الإحسان ، ونشأة كل واحد غربة بالنسبة إلى غيره ، وكل نشأة ظهر وغلب أثرها كان صاحبها في وطنه متتبّعا صاحبيه وهما غريبان فيه ، لا جرم كانت النفس في مقام الإسلام مستتبعة للروح والسرّ في أمر رجوعها إلى مولاها وسلوكها سبيل الوصول عند تحقّقها بالمقامات المذكورة وإزالة الحجب عنها وشهودها فعل ربها . فلما انتهى سيرها بظهور وحدتها وانتفاء أحكام كثرتها ، آل أمر السير إلى الروح وتحقّقها بحقائق الإيمان بإزالة خفايا أحكام انحرافيّة باقية في أعيان الأخلاق أو أصول الأوصاف التي كانت آثارها وفروعها ظاهرة في النفس وقواها ، منحرفة متكثّرة ناقضة ، فأزيلت بالرياضة والتوبة والزهد والتفويض وغيرها تلك الانحرافات وأحكام الكثرة والنقصان القائمة بتلك الآثار والفروع عن النفس ، وبقيت خفايا منها في الأعيان والأصول القائمة بالروح لتأثر المنطبع من الأثر الحاصل في المرآة ، ولا بدّ من إزالتها حتى يكمل الإيمان ، فشرع الروح في السير لذلك واستتبعت النفس دفعا لتوقع الشّر ، والسرّ جلبا للنفع ، فوقعت النفس في غربة ؛ فلهذا سمّيت هذه الرتبة الطلبيّة غربة ، لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « طلب الحقّ غربة » ، فإنّ حقيقة الطلب المترتّب عليه وجدان المطلوب المعنيّ في قولهم : « الطلب والوجدان توأمان » لم يتحقّق إلّا في هذه الرتبة الإيمانيّة .