ابن عطاء الله السكندري
79
ترتيب السلوك ( ويليها رسالة في أدب العلم / بيان فضل خيار الناس والكشف عن مكر الوسواس للغماري )
ولطائفها ، تفصيلا وتأصيلا ، بما تتحير به ألباب العوام ، وتنخفض أبصار عقولهم دون مباديه وأقاصيه ، إذ كان مخاطبه علماء الكلام والفلاسفة . ومن هذه المفاهيم الإلهام والوسوسة . فكان من ابن ميمون أن سهّل صعبه ، وقرّب بعيده ، فخاطب بها العوام ، وأبرز فوائدها العلمية والعملية ، حيث إن كل ما يراد ويعلم لغير العمل فدون حصوله يكون ضائعا « 1 » . - الجهة الثالثة : إعادة الاعتبار إلى فكر الغزالي وإحيائه بعد أن اندرس أو كاد في المشرق « 2 » . والجدير بالتحرير أن ابن ميمون ، وإن كان متأثرا بالغزالي ، مستوعبا لأفكاره ، مكررا لها أحيانا « 3 » ، فإنه لم يكن مجرّد ناقل ، بل ممحّصا ناقدا أيضا ، إذ خالف الغزالي في أمور ، منها أن الغزالي نسب إلى الحنبلية القول بالتجسيم « 4 » ، بيد أن ابن ميمون نزّه أحمد بن حنبل عن هذه النسبة ، كما هو مقرّر في « رسالة الإخوان من أهل الفقه وحملة القرآن » . والغزالي يجعل الاسم غير التسمية وغير المسمى في بيان معاني أسماء اللّه الحسنى « 5 » ، بيد أن ابن ميمون يجعل في « رسالة الإخوان إلى سائر البلدان » الاسم هو عين المسمى .
--> ( 1 ) مما يؤكد نبذ ابن ميمون للإغراق الفلسفي والكلامي في المفاهيم الغيبية والعرفانية قوله : « فالمتكلم في علم التوحيد بمجرد نقل قول المتكلمين في ذلك لا يراه أهل التوحيد القلبي موحدا » الرسالة الميمونية : صفحة 126 . ( 2 ) أما في المغرب فقد انتشر فكر الغزالي واتسع منذ قيام الدولة الموحدية إلى ما بعدها ( انظر بحث محمد المنوني « إحياء علوم الدين في منظور الغرب الإسلامي أيام المرابطين والموحدين » ضمن ندوة « أبو حامد الغزالي : دراسات في فكره وعصره وتأثيره » ، منشورات كلية الآداب بالرباط ، ص 125 - 137 ) ، وإن كان قد تخلل ذلك بعض الأصوات المنتقدة لفكر الغزالي مثل عبد الحق البادسي الذي انتقد كتابه « النفخ والتسوية » ( انظر المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف : 32 ) . ( 3 ) نلاحظ أحيانا حضور الحكم العطائية في كلام ابن ميمون ، مثال ذلك قول ابن عطاء : « الرجاء ما قارنه عمل ، وإلا فهو أمنية » ( الحكم العطائية : 120 ) ، والعبارة نفسها مذكورة في « بيان غربة الإسلام » ( انظر صفحة 146 ) ، وقول ابن عطاء : « أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس » ( الحكم العطائية : 110 ، وهذه هي الفكرة المحورية التي تدور عليها أفكار ابن ميمون المبثوثة في كتبه . ( 4 ) انظر الأجوبة الغزالية في المسائل الأخروية : 121 ، وفيصل التفرقة : 85 و 99 . ( 5 ) انظر المقصد الأسنى : 6 - 20 ، وأيضا الاقتصاد في الاعتقاد : 100 - 101 .