ابن عطاء الله السكندري

29

ترتيب السلوك ( ويليها رسالة في أدب العلم / بيان فضل خيار الناس والكشف عن مكر الوسواس للغماري )

شيء ، فحينئذ يتداركه اللّه بلطفه ، فيظهر له الكشف بعد إياسه . ولكن أنا كنت في بدايتي كلما ازددت مجاهدة ازداد مقصودي مني بعدا . هكذا كانت سنّته سبحانه معي ، وفي الابتداء في أحوال الذكر ، بلغت إلى موضع كنت أرى جميع المخلوقات من هذا البصر . ثم في الانتهاء لمّا ظهر الحقّ ، وبلغ الذكر السرّ ، عاد البصر إلى مثل أحوال الناس . ومن خصوص الأحوال بيني وبين أبي الفوارس شأن « 1 » ؛ كنت ليلة من الليالي معه ، فأخذه النوم ، وكانت ليلة العيد ، وأبو الحسن « 2 » عندي ، فخطر ببالي لو كان سمن لصنعت كذا ، فقال أبو الحسن ، وهو في النوم : « ألق هذا السمن من يدك ! » يكرره ثلاث مرات . فأيقظته « 3 » من النوم ، وقلت له : « لأي شيء تقول ؟ » ، فقال : لأي شيء ! ألا إني كنت في المنام كأنّا كنّا في موضع ربيع نزيه ، وكان الحق سبحانه يريد أن يظهر ، وقد وقعت على الناس الهيبة ، وأنت معنا في يدك سمن لا تلقيه « 4 » ، فكنت أقول لك : « ألق السمن من يدك ! » فلما اشتدّ بي ذكر القلب ، قال أبو الحسن : أذهب إلى بعض الرّساتين ، وآتي . ثم قال لي في الطريق « 5 » ، وأقعدني على حجر : « أطبق شفتك حداي اللّه ، فقلت ، واشتدت ، وأنا لا أفتح فمي . فامتلأ فمي ، وعاد الذكر إلى السر » . فمن ذلك الوقت أجد في سري أني أقول : « حداي اللّه ، حداي اللّه » . فعندها تحاور الحال ، ولا يحاورها ذكر مبتدأ . ففي الوقت أخذت عن نفسي ، فسَيَّبتُ « 6 » . فلما عزّت عدت إلى نفسي ، كان بعد الصلاة فحملني الليلة إلى القرية ، ثم ردّني إلى البلد ، ونحلت إلى البلد ، حتى صرت عظما ولا لحم . وهذا كله في يوم وليلة ، وليس على عظمي إلا الجلد دون اللحم . ثم سكن ذلك

--> ( 1 ) أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني ، من كبار المشايخ ، ومن أبناء الملوك ، توفي قبل عام 300 ه / 912 م ( انظر ترجمته في : طبقات الصوفية للسلمي : ص 156 - 158 ، والرسالة القشيرية : ص 428 ، والطبقات الكبرى للشعراني : ص 129 - 130 ، ونفحات الأنس للجامي : ص 273 - 276 ، ونتائج الأفكار القدسية للعروسي : 1 / 251 - 253 ) . ( 2 ) أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن عبد الجبار الغماري المغربي ، الشهير بالشاذلي ، المتوفى بمصر عام 656 ه / 1269 م ( انظر ترجمته في الطبقات الكبرى للشعراني : ص 290 - 301 ، ومرآة المحاسن : ص 195 - 198 ) . ( 3 ) ب : فأيقضه . ( 4 ) أ : لا تلقه . ( 5 ) ب : بعض الطريق . ( 6 ) كتبت لفظة « كذا » فوق ( فسيبت ) في النسختين .