ابن عطاء الله السكندري
98
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
مراتب الإدراك : وهذه الإدراكات الحاصلة عن التفكير والنظر ليست على درجة واحدة في القوة والضعف ؛ فمنها ما هو قوى معتبر ، ومنها ما هو ضعيف ساقط عن الاعتبار : فالأول : العلم ؛ وهو إدراك أمر على وجه لا يحتمل أن يكون ذلك الأمر على وجه من الوجوه سواه ، وهو علم الاعتبار . ويليه الظن ، وهو إدراك الأمر على وجه هو أرجح الوجوه المحتملة ، وهو معتبر عندما تتبين قوة رجحانه فيما لا يمكن فيه إلا ذاك ، وهذه هي الحالة التي يطلق عليه فيها لفظ ( العلم ) مجازا . والثاني : الوهم ، وهو إدراك الأمر على الوجه المرجوح . والشك : وهو إدراك الأمر على الوجهين ، أو وجوه متساوية في الاحتمال ، وكلا هذين لا يعول عليه . العلم ضابط كل شيء : ولما كان الإنسان - بما فطر عليه من الضعف والاستعجال - كثيرا ما يبنى أقواله وأفعاله واعتقاداته على شكوكه وأوهامه ، وعلى ظنونه حيث لا يكتفى بالظن ، وفي هذا البناء والضرر والضلال . . . بين اللّه تعالى لعباده في محكم كتابه أنه لا يجوز لهم ، ولا يصح منهم البناء لأقوالهم ، وأعمالهم ، واعتقاداتهم ، إلا على إدراك واحد وهو العلم ، فقال تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ( 36 ) ، أي : لا تتبع ما لا علم لك به ، فلا يكن منك اتباع بالقول ، أو بالفعل ، أو بالقلب ، لما لا تعلم ؛ فنهانا عن أن نعتقد إلا عن علم ، أو نفعل إلا عن علم ، أو نقول إلا عن علم . العلم ضابط ما ترى : فما كل ما نسمعه ، وما كل ما نراه نطوى عليه عقد قلوبنا ، بل علينا أن ننظر فيه ، ونفكر فإذا عرفناه عن بينة اعتقدناه ، وإلا تركناه حيث هو ؛ في دائرة الشكوك والأوهام ، أو الظنون التي لا تعتبر . وما نسمع : ولا كل ما نسمعه أو نراه أو نتخيله نقوله ؛ فكفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ،