ابن عطاء الله السكندري
96
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
وإطلاق لفظ ( الفؤاد ) والقلب على العقل مجاز مشهور . و ( كان ) تفيد ثبوت خبرها لاسمها ، وكونها على صورة الماضي لا يدل على انقضاء ذلك الارتباط . ومثل هذا التركيب يفيد في استعمال استحقاق الاسم للخبر ؛ فالجوارح مستحقة للسؤال ، ويكون ذلك بالفعل يوم القيامة . ( والمسؤول ) : الموجه إليه السؤال ليجيب . ( وأولئك ) : إشارة إلى هذه الثلاثة ، وضمير ( كان ) عائد على ( كل ) ، وضمير ( عنه ) عائد على ( ما ) ، وضمير ( مسؤولا ) عائد على ما عاد عليه ضمير ( كان ) . والتقدير : كل واحد من هذه الثلاثة : السمع ، والبصر ، والفؤاد ، كان مسؤولا عما ليس لك به علم . العقل ميزة الإنسان وأداة علمه : فضل الإنسان بعقله : يمتاز الحيوان عن الجماد بالإدراك ، ويمتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل ، وعقله هو القوة الروحية التي يكون بها التفكير . وتفكيره هو نظره في معلوماته التي أدرك حقائقها ، وأدرك نسب بعضها لبعض إيجابا وسلبا ، وارتباط بعضها ببعض نفيا وثبوتا ، وترتيب تلك المعلومات بمقتضى ذلك الارتباط على صورة مخصوصة ، ليتوصل بها إلى إدراك أمر مجهول . فالتفكير : اكتشاف المجهولات من طريق المعلومات ، والمفكر مكتشف ما دام مفكرا . ولما امتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل والتفكير ، امتاز عنه بالتنقل والتحول في أطوار حياته ، ونظم معيشته بمكتشفاته ومستبطناته : فمن المشي على الأقدام : إلى التحليق في الجو - مثلا - وبقي الحيوان على الحال التي خلق عليها دون أي انتقال . فضل المسلمين على المدنية : وبقدر ما تكثر المعلومات عند الإنسان ، ويصح إدراكه لحقائقها ولنسبها ، ويستقيم تنظيمه لها : تكثر اكتشافاته ، واستنباطاته في عالمي المحسوس والمعقول ، وقسمي العلوم والآداب . وهذا كما كان العرب والمسلمون أيام - بل قرون - مدنيتهم : عربوا كتب الأمم إلى ما عندهم ، ونظروا وصححوا واستدركوا واكتشفوا ؛ فأحيوا عصور علم من كانوا قبلهم ، وأناروا بالعلم عصرهم ، ومهدوا الطريق ، ووضعوا الأسس لما جاء بعدهم ؛ فأدوا لنوع الإنسان بالعلم والمدنية أعظم خدمة تؤديها له أمة في حالها وماضيها ومستقبلها .