ابن عطاء الله السكندري

82

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

عموم الآية : وقد جاءت الآية الكريمة على مقتضى حال الأعم الأكثر ، لأنها قاعدة عامة في سياسة الإنفاق ، وشأن القواعد العامة أن يعتبر فيها جانب الأعم الغالب ، ولا يلتفت للنادر . وقد وكل للنبي صلى الله عليه وسلم بيانه ، فجاء مبينا فيما تقدم من سننه . وتقررت القاعدة واستثناؤها من الكتاب والسنة ، وهما مصدر التشريع . حكمة الغنى والفقر : تفاوت الأرزاق ، من حكمة الخلاق : إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 30 ) [ الإسراء : 30 ] . لما أرشدنا تعالى إلى الأقوم في العمل في باب الإنفاق ، أرشدنا إلى العقد الصحيح في مسألة تفاوت الأرزاق ، وفي ذلك تمام الهداية إلى الاستقامة في الظاهر والباطن . وإن أحوال العباد في الغنى والفقر ، والسعة والضيق ، وتعاقبها عليهم بسرعة وبمهل وتفاوتهم فيها - لما يخفى ولما يظهر من العلل - لأمر عجب عجاب ، يحير الألباب ! ! فعلمنا اللّه تعالى في هذه الآية أن الرب - وهو الذي يربى المربوب في أحواله وأطواره ، بمقتضى الصلاح والصواب - هو الذي يبسط ويوسع على من يشاء إلا ما هو حق ، وعدل ، وصواب ، وإن خفى علينا وجهة . ( ويقدر ) : أي : يضيق على من يشاء ، وكل أحد هو حقيق بالحال الذي هو فيه ، وأنه كان بعباده خبيرا مطلعا على دواخل أمورهم ، وبواطن أسرارهم من أنفسهم ، ومما يرتبط بهم ومن سوابقهم ومصائرهم بصيرا ، منكشفة له جميع أمورهم . وكما أنه بآية الإنفاق ينتظم أمر العباد في معاشهم ، كذلك بالإيمان بهذه العقيدة تزول حيرتهم ، وتطمئن قلوبهم فيما يرونه من أحوال الرزق في أنفسهم ، وفي غيرهم . واللّه يبصر القلوب ، ويقوم الأعمال ، إنه سميع مجيب . 8 - حفظ النفوس بحفظ النسل وحفظ الفرج وعدم العدوان : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ( 31 ) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا ( 32 ) [ الإسراء : 31 ، 32 ] .