ابن عطاء الله السكندري

72

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

الهلاك المبين ، فكان حاله مقتضيا لأن يؤكد حصول المغفرة عند رجوعه بتلك المؤكدات . ونكتة بلاغية : وقد كان مقتضى الظاهر في تركيب الآية أن يقال : ( أن تكونوا صالحين فإنه كان لكم غفورا ) ؛ لأن المقام للإضمار ، لكنه عدل عن الضمير إلى الظاهر فيقول : فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) الإسراء : 25 لينص على شرط المغفرة وهو الأوبة والرجوع . وعلم من ذلك أن الصالح عندما تقع منه الذنوب مطالب - كغيره - بالأوبة ، لتحصيل المغفرة ، لأن فرض الأوبة إلى اللّه من المعاصي عام على الجميع . وقد اشتملت الآية - من فعل الشرط ؛ وهو إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ ، وجواب الشرط ، وهو فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) - على الحالتين اللازمتين للإنسان لتكميل نفسه ، وهما الصلاح المستفاد من الأول والإصلاح بالأوبة المستفاد من الثاني . وما دام الإنسان مجاهدا في تزكية نفسه بهذين الأصلين فإنه بالغ أملا ورجاء - بإذن اللّه - درجة الجمال . ثبتنا اللّه والمسلمين عليهما ، وحشرنا في زمرة الكاملين المكلمين ، إنه المولى الغفور الكريم . 5 - إيتاء الحقوق لأربابها وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ( 26 ) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ( 27 ) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً ( 28 ) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ( 29 ) [ الإسراء : 26 ، 29 ] . تمهيد : الإنسان مدنى بالطبع : الناس كلهم في حاجة مشتركة إلى بعضهم ، وما من أحد إلا وله حقوق على غيره ، ولغيره حقوق عليه . ولهذه الحاجة المشتركة والحقوق الممتزجة كان الاجتماع والتعاون ضروريين لحياة المجتمع البشرى ، واطراد نظامه .