ابن عطاء الله السكندري

69

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

ميزان الصلاح : وصلاح النفس - وهو صفة لها - خفى كخفائها ؛ وكما أننا نستدل على وجود النفس وارتباطها بالبدن بظهور أعمالها في البدن ، كذلك نستدل على اتصافها بالصلاح وضده بما نشاهده من أعمالها : فمن شاهدنا منه الأعمال الصالحة - وهي الجارية على سنن الشرع ، وآثار النبي صلى الله عليه وسلم - حكمنا بصلاح نفسه ، وأنه من الصالحين . ومن شاهدنا منه خلاف ذلك حكمنا بفساد نفسه ، وأنه ليس منهم . ولا طريق لنا في معرفة صلاح النفوس وفسادها إلا بهذا الطريق ، وقد دلنا للّه تعالى عليه في قوله تعالى : لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114 ) [ آل عمران : 113 - 114 ] . فذكر الأعمال ، ثم حكم لأهلها بأنهم من الصالحين ، فأفادنا : أن الأعمال هي دلائل الصلاح ، وأن الصلاح لا يكون إلا بها ، ولا يستحقه إلا أهلها . تفاوت الصلاح : ثم إن العباد يتفاوتون في درجات الصلاح على حسب تفاوتهم في الأعمال . ويكون لنا أن نقضي بتفاوتهم في الظاهر بحسب ما نشاهد ، ولكن ليس لنا أن نقضي بين أهل الأعمال الصالحة في تفاوتهم عند اللّه في الباطن ؛ فندعى أن هذا أعلى درجة في صلاحه عند اللّه تعالى من هذا ، لأن الأعمال قسمان : أعمال الجوارح ، وأعمال القلوب ، وهذه أصل الجوارح . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « التقوى ها هنا » « 1 » ، ويشير إلى صدره ثلاث مرات ، فمنازل الصالحين عند ربهم لا يعلمها إلا اللّه . ( والأوابون ) في قوله تعالى : فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) [ الإسراء : 25 ] ، هم الكثيرو الرجوع إلى اللّه تعالى :

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 9 / 17 ) ، ومسلم ( 2563 ) .