ابن عطاء الله السكندري

67

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ( 11 ) [ الشمس : 10 - 11 ] . وفي « الصحيح » : « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب » « 1 » . ما هو القلب ؟ وليس المقصود مادته وصورته ، وإنما المقصود النفس الإنسانية المرتبطة به . وللنفس ارتباط بالبدن كله ، ولكن القلب عضو رئيسى في البدن ، ومبعث دورته الدموية ، وعلى قيامه بوظيفته تتوقف صلوحية البدن ، لارتباط النفس به ، فكان حقيقا لأن يعبر به عن النفس على طريق المجاز . وصلاح القلب - بمعنى النفس - بالعقائد الحقة ، والأخلاق الفاضلة ، وإنما يكونان بصحة العلم ، وصحة الإرادة ، فإذا صلحت النفس هذا الصلاح : صلح البدن كله ، بجريان الأعضاء كلها في الأعمال المستقيمة ، وإذا فسدت النفس من ناحية العقد ، أو ناحية الخلق ، أو ناحية العلم ، أو ناحية الإرادة . . . فسد البدن ، وجرت أعمال الجوارح على غير وجه السداد . مقصود الأديان : فصلاح النفس هو صلاح الفرد ، وصلاح الفرد هو صلاح المجموع ، والعناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس : إما مباشرة وإما بواسطة . فما من شيء مما شرعه اللّه تعالى لعباده من الحق والخير والعدل والإحسان إلا وهو راجع عليها بالصلاح . وما من شيء نهى اللّه تعالى عنه من الباطل والشر والظلم والسوء إلا وهو عائد عليها بالفساد . فتكميل النفس الإنسانية هو أعظم المقصود من إنزال الكتب ، وإرسال الرسل ، وشرع الشرائع . وهذه الآيات الثمان عشرة قد جمعت من أصول الهداية ما تبلغ به النفوس - إذا تمسكت به - غاية الكمال . وجه الارتباط : قد أمر اللّه تعالى في الآيات المتقدمة بعبادته والإخلاص له . وأمر ببر الوالدين والإحسان إليهما في الظاهر والباطن .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 52 ) ، ومسلم ( 1599 ) .