ابن عطاء الله السكندري
55
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
2 - التوحيد العملي وكما انتظمت هذه الجملة توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية كذلك انتظمت مع الآية السابقة التوحيد العلمي والتوحيد العملي : فالأولى : نهى عن أن تعتقد الألوهية لسواه ، وهو يتضمن النهى عن اعتقاد ربوبية سواه ، وهذا من باب العلم . والثانية : أمر بأن تكون عبادتك مقصورة عليه ، لأنه هو ربك وحده ، وهذا من باب العمل : فمن وحد اللّه جل جلاله في ربوبيته وألوهيته علما وعملا . . . فقد استكمل حظه من مقام هذا الأساس العظيم . ومن أخل بشيء من ذلك كان ذلك نقصا في دينه بقدر ما أخل حتى ينتهى الأمر به إلى خلص المشركين . نعوذ باللّه من الشرك جليه وخفيه ، إنه سميع عليم . بيان واستدلال : ألوان الذل : يكون ( الذل ) بمعنى ضعف الحال ، وهذا قد يكون لأهل التوحيد والإيمان كما في قوله تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 123 ) [ آل عمران : 123 ] . ويكون بمعنى اللين المشوب بالعطف ، وهذا من صفات المؤمنين الممدوحة إذا وقعت في محلها كما في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 54 ) [ المائدة : 54 ] . ويكون الذل بمعنى خنوع القلب وخضوعه وانكساره للضعف والافتقار ، وهذا هو الذي يكون من المؤمن الموحد لربه كما في حديث دعاء القنوت : ( ونخنع لك ) ، أي : نذل ونخضع لك . وهذا الخنوع هو أساس العبادة القلبية ، فلذلك لا يكون إلا للّه . وأن من أسرار كلمة ( اللّه أكبر ) - التي يأتي بها المؤمن مرات كثيرة في صلواته وغيرها من أحواله - حفظ القلب من الخنوع للخلق باستشعار عظمة الخالق التي يصغر عندها