ابن عطاء الله السكندري

5

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

القلب يسودّ بالمعصية فلا يظهر إلا بالتوبة إلى اللّه فصار الذل والظلمة والحجاب مقارنة للمعصية فإذا تبت إلى اللّه زالت آثار الذنوب ولا يدخل عليك الإهمال إلا بإهمالك عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ولا تحصل لك الرفعة عند اللّه تعالى إلا بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم والمتابعة له صلى الله عليه وسلم على قسمين جلية وخفية ، فالجلية كالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وغير ذلك ، والخفية أن تعتقد الجمع في صلاتك والتدبر في قراءتك فإذا فعلت الطاعة كالصلاة والقراءة ولم تجد فيها جمعا ولا تدبرا فاعلم أن بك مرضا باطنا من كبر أو عجب أو غير ذلك قال اللّه تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ الأعراف : 146 ] ، فيكون مثلك كالمحموم الذي يجد في فمه السكر مرا فالمعصية مع الذل والافتقار خير من طاعة مع العز والاستكبار قال اللّه تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة وأتم السلام ( فمن تبعني فإنه منى ) فمفهوم هذا أن من لم يتبعه ليس منه وقال تعالى حكاية عن نوح عليه وعلى نبينا المصطفى أزكى الصلاة والسلام ( إن ابني من أهلي ) فأجابه سبحانه بقوله تعالى : قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) [ هود : 46 ] ، فالمتابعة تجعل التابع كأنه جزء من المتبوع وإن كان أجنبيا كسلمان الفارسي رضى اللّه عنه لقوله صلى الله عليه وسلم ( سلمان منا أهل البيت ) « 1 » ومعلوم أن سلمان من أهل فارس ولكن بالمتابعة قال عنه صلى الله عليه وسلم تعليما فكما أن المتابعة تثبت الاتصال كذلك عدمها يثبت الانفصال ، وقد جمع اللّه الخير كله في بيت وجعل مفتاحه متابعة النبي صلى الله عليه وسلم فتابعه بالقناعة بما رزقك اللّه تعالى والزهد والتقلل من الدنيا وترك ما لا يعنى من قول وفعل ، فمن فتح له باب المتابعة فذلك دليل على محبة اللّه له قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) [ آل عمران : 31 ] ، إذا طلبت الخير كله فقل اللهم إني أسألك المتابعة لرسولك صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال ، ومن أراد ذلك فعليه بعدم الظلم لعباد اللّه في أعراضهم وأنسابهم فلو سلموا من ظلم بعضهم بعضا لانطلقوا إلى اللّه ولكنهم معوقون كالمدبان بسبب من يطلبه .

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ( 3 / 391 ) ، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ( 1 / 203 ، 205 ) ، والطبراني في الكبير ( 6 / 212 ) .