ابن عطاء الله السكندري
36
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
سأل الصادقين أيترك المدعين من غير سؤال ألم يسمعوا قوله تعالى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) [ التوبة ، 105 ] فهم في إظهار زي الصادقين وعملهم عمل المعرضين قال اللّه تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189 ) [ البقرة : 189 ] فاعلم أن باب الرزق طاعة الرازق فكيف يطلب منه بمعصيته أم كيف يستمر فضله بمخالفته وقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام ( لا ينال ما عند اللّه بسخطه ) « 1 » أي لا يطلب رزقه إلا برضاه وقد قال تعالى مبينا لذلك بقوله : فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) [ الطلاق : 2 ] ولهذا المعنى قال الشيخ أبو العباس رضى اللّه تعالى عنه وفي حزبه لما قال وأعطنا كذا وكذا قال والرزق الهنى الذي لا حجاب به في الدنيا ولا حساب ولا سؤال ولا عقاب عليه في الآخرة على بساط علم التوحيد والشرع سالمين من الهوى والشهوة والطبع واحذر من التدبير مع اللّه . فمثال المدبر مع اللّه كعبد أرسله السيد إلى بلد ليصنع له ثيابا فدخل العبد تلك البلدة فقال أين أسكن ومن أتزوج فاشتغل بذلك وصرف همته لما هنالك وعطل ما أمره السيد به حتى دعاه إليه فجزاؤه من السيد أن جازاه القطعية ووجود الحجبة لاشتغاله بأمره نفسه عن حق سيده كذلك أنت أيها المؤمن أخرجك الحق إلى هذه الدار وأمرك فيها بخدمته وقام لك بوجود التدبير منة منه لك فإن اشتغلت فيها بتدبير نفسك عن حق سيدك فقد عدلت عن سبيل الهدى وسلكت مالك الردى ، ومثال المدبر مع اللّه والذي لا يدبر مع اللّه كعبدين للملك أما أحدهما فمشتغل بأوامر سيده لا يلتفت إلى ملبس ولا مأكل بل إنما همته خدمة السيد فأشغله ذلك عن التفرغ لحظوظ نفسه ، وأما العبد الآخر فكيفما طلبه سيده وجده يغسل ثيابه وفي سياسة مركوبه وتحسين زيه فالعبد الأول أولى بإقبال سيده من العبد الثاني والعبد إنما اشترى للسيد لا لنفسه كذلك العبد
--> ( 1 ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ( 7 / 79 ) ، وهناد في الزهد ( 1 / 281 ) ، والبزار في مسنده ( 7 / 315 ) ، والطبراني في الصغير / 452 ) ، وعبد الرزاق في المصنف ( 5 / 150 ) ، والطبراني في الكبير ( 8 / 299 ) ، والبيهقي في الشعب ( 5 / 29 ) .