ابن عطاء الله السكندري

30

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

والأذكار والندم والاستغفار ، كذلك أنت في حضرة اللّه ملوّث بمعصيتك تأكل الحرام وتنظر المحرم فمن يفعل المخالفات والشهوات يظلم قلبه فإن لم تتب في حال الصحة ربما ابتلاك بالأمراض والمحن حتى تخرج نقيا من الذنوب كالثوب إذا غسل ، فاصقل مرآة قلبك بالخلوة والذكر حتى تلقى اللّه تعالى وليكن قلبك ذاكرا فينبع لك الأنوار ولا تكن كمن يريد أن يحفر بئرا فيحفر ذراعا هنا وذرعا هنا فلا ينبع له ماء أبدا بل احفر في مكان واحد فينبع لك الماء . يا عبد اللّه دينك هو رأس مالك فإن ضيعت رأس مالك فاشغل لسانك بذكره وقلبك بمحبته وجوارحك بخدمته واحرث وجودك بالمحارث حتى يجئ البذر فينبت ومن فعل بقلبه كما يفعل الفلاح بأرضه أنار قلبه . مثالك مثال رجلين اشتريا أرضا قياسا واحدا فأخذها الواحد فنقاها من الشوك والحشيش وأجرى بها الماء وبذرها فنبتت وجنى منها وانتفع بها فهذا كمن نشأ في الطاعة قد أشرقت أنوار قلبه وأما الآخر فإنه أهملها حتى نبت فيها الشوك والحشيش وبقيت مأوى للأفاعى والحيات ، فهذا قد أظلم قلبه بالمعاصي إذا حضرت المجلس وخرجت إلى المخالفات والغفلات فإياك أن تقول ماذا يفيد الحضور بل احضر . يكون بك مرض أربعين سنة فتريد أن يذهب عنك في ساعة واحدة أو في يوم واحد فمثاله كرمل رمى في موضع أربعين عاما أفتريد أن يزول في ساعة واحدة أو في يوم واحد فمن فعل المعاصي وتقلب في الحرام لو انغمس في سبعة أبحر لم تطهره حتى يعقد مع اللّه عقدة التوبة للظاهر جنابة تمنعكم من دخول بيته وتلاوة كتابه وللباطن جنابة تمنعكم من دخول حضرته وفهم كلامه وهي الغفلة فإذا طلبت النفس الشهوات فألجمها بلجام الشرع فمثالها كالدابة إذا مالت لزرع غيرك فغمض الأبصار عن ميلها إلى المستحسنات والقلوب عن ميلها إلى الشهوات وليكن قلبك معمورا لا يصلح لها على الدوام والحق سبحانه وتعالى اختار لحضرته من يصلح لها ومن رماد الكائنات فمثالهم كالعبيد يعرضون على الملك فمن أخذه الملك أعزه ومن لا يصلح بقي للرعية . ما أتيت لموطن حكمة أو معصية إلا وفي عنقك سلسلة نورانية أو ظلمانية فإن كنت لا تشهدها أنت فغيرك يشهدها ألا ترى أن الشمس يشهدها الناس أجمعون إلا من كان أعمى . ما فائدة العلم إلا العمل به مثاله كملك كتب إلى نائبه كتابا فما فائدة الكتاب أن تقرأه فقط إنما فائدته العمل به . مثال من يشتغل بالعلم وليس له بصيرة كمثل مائة ألف أعمى سلكوا طريقا متجرين فيها فلو كان فيهم واحد بعين واحدة لتبعه الناس أجمعون وتركوا مائة ألف أعمى ، ومثال العلم مع ترك العمل كالشمعة تضيء للناس بإحراق نفسها . علم فيه الغفلة عن اللّه الجهل خير منه فمن أثمرت جوارحه فقد أمطر قلبه ولسانه بالذكر وعينيه بالغض وأذنيه بالاستماع إلى العلم ويديه ورجليه بالسعي إلى الخيرات . من أكثر من