ابن عطاء الله السكندري
28
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
وكان وليا كبيرا ؛ فمنهم من يعرف الأولياء بالشم من غير وجود طيب ، ومنهم من يعرف بالذوق إذا رأى وليا ذاق طعم الحلاوة في فمه وإذا رأى صاحب قطيعة ذاق طعم المرارة في فمه . من لم يترك المحرمات لم ينفعه القيام بالواجبات . من لم يحتم لم ينفعه الدواء . ما أقل بركة مال وقعت فيه أيدي الناهبين فهذا واللّه عمر الغافلين منهوب . مثال الدنيا كعجوز جذماء برصاء سترت بثوب حرير فالمؤمن نافر ومنفر عنها لانكشافها له ، وما لبس أحد لباسا أنتن من لباس الدعوى بأن يقول في المخاصمة أنت مثلي وأنت يصلح لك أن تكلمني ومن أنت حتى أكلمك فأوّل من هلك بذلك إبليس فإياك وهذا ولو كان أعرج أجذم أجرب فلا تحقره لحرمة لا إله إلا اللّه في قلبه وحسن ظنك بكل أحد تفلح . أتحسب أن حسن الخلق هو أن يكون الإنسان حسن الملتقى ومن أكرم الناس وضيع حقوق اللّه ليس هذا يخلق حسن بل لا تكون ممدوحا بحسن الخلق حتى تكون قائما بحقوق اللّه تعالى وقائما بأحكامه مستسلما الأوامر اللّه مجتنبا لنواهيه فمن منع نفسه معاصي اللّه وأدى حقوق اللّه فقد حسن خلقه . ما سلط اللّه عليك ألسنة العباد إلا لترجع إليه . لا تزال لك قيمة عند اللّه حتى تعصى فإذا عصيت فلا قيمة لك . التقوى هي ترك معصية اللّه حيث كنت لا يراك أحد . كان النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا شرب الماء قال الحمد للّه الذي جعله عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا ) « 1 » وهو صلى الله عليه وسلم مقدس عن الذنوب ولكن تواضعا منه وتعليما وكان يمكنه أن يقول بذنوبكم وما أكل صلى الله عليه وسلم ولا شرب إلا ليعلمنا الأدب وإلا فكان عليه الصلاة والسلام يطعم ويسقى ، فالعارف ينكس رأسه إذا شرب وربما تقطر عيناه الدموع ويقول هذا تودد من اللّه تعالى ؛ كان بعضهم لا يخرج لصلاة الجماعة لما يعرض له في طريقه منهم مالك بن أنس رضى اللّه عنه لأن الجماعة ربح والربح لا يحسب إلا بعد الإحاطة على رأس المال . ليس السباع في البرية بل السباع في الأسواق والطرق وهي التي تنهش القلوب نهشا . مثال من يكثر الذنوب والاستغفار كمثل من يكثر شرب السم وبكثر استعمال الترياق فيقال له لا تصل إلى الترياق مرة فيهجم عليك الموت قبل الوصول إليه . من مرض قلبه منع أن يلبس لباس التقوى ، فلو صح قلبك من مرض الهوى والشهوة تحملت أثقال التقوى فمن لم يجد حلاوة الطاعة دل على مرض قلبه من الشهوة وقد سمى اللّه تعالى الشهوة مرضا بقوله تعالى : يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ
--> ( 1 ) أورده السيوطي في الجامع الصغير ( 1 / 167 ، 168 ) .