ابن عطاء الله السكندري
24
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
تقهقه بالضحك كأنك جاوزت الصراط وعثرة النيران . إذا لم يكن بينك وبين اللّه ورع يحجزك عن المعاصي إذا خلوت وإلا فضع التراب على رأسك لقوله صلى الله عليه وسلم ( من لم يكن له ورع يحجزه عن معاصي اللّه إذا خلا لم يعبأ اللّه بشيء من عمله ) « 1 » لا شيء يخجلك يوم القيامة مثل درهم أنفقته في حرام . ليس الشأن فيمن يرفق بك إذا وافقته بل الشأن فيمن يرفق بك إذا خالفته ومما يخاف عليك موالاة الذنوب ليستدرجك فيها ويمكنك منها قال اللّه تعالى : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) [ القلم : 44 ] ، إن كانت معك عناية ينفعك القليل وإن لم تكن لك عناية لم ينفعك الكثير ولو كشف عنك الحجاب لرأيت كل شيء ناطقا مسبحا للّه تعالى ولكن النقض فيك والحجاب منك . ما أكثر احتراسك على بدنك وما أرخص دينك عليك لو قيل لك إن هذا الطعام مسموم لا متنعت منه ثم لو حلف لك بالطلاق إنه ليس بمسموم لتوقفت عنه بل لو غسلت الوعاء الذي هو فيه مرارا لنفرت منه نفسك فلم لا تكون كذلك في دينك وكم للّه عليك من أيادي أكثر من أمك إنها إذا أخذتك وأنت صغير تلبسك أحسن الملابس فإن وسختها تخلع عليك ثيابا أخرى في الوقت وأنت تأتى إلى مملكة مزينة ليس فيها موضع شبر إلا ويصلح للسجود عليه تتلف ثوبك وتوسخه بالمعصية تجلى عليك المحاسن فتعجل بها ما يكدره من المعصية ، ليس كل من صحب الأكابر اهتدى بصحبتهم فلا تجعل صحبة المشايخ علة في أمنك فمن اغتر باللّه فقد عصاه لأنك أمنت عقوبته كما يقول الجاهل صحبت سيدي فلانا ورأيت سيدي فلانا ويدعون دعاوى كلها كاذبة باطلة بل كان ينبغي لهم أن يزيدهم صحبة المشايخ خوفا ووجلا فقد صحبت المشايخ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكانوا أكثر وجلا ومخافة وربما كان الغنى دفعا والفقر جمعا لأن الفاقة تحوجك أن تتضرع إلى اللّه والفاقة تجمعك على اللّه خير من غنى يقطعك عنه . كما أمرك أن تعرض عن المعصية . أمرت أن تعرض عمن عصى وتدعو له في الغيبة والناس اليوم على العكس وما عسى أن ينفعك صومك وصلاتك وأنت تقع في عرض أخيك المسلم قال صلى الله عليه وسلم ( جددوا إيمانكم بقول لا إله إلا اللّه ) « 2 » فدل ذلك على أنه يحصل له غبار المعصية ودنس المخالفة . وما كل غش يطهره الماء بل رب غش لا يطهره إلا النار كالذهب إذا كان فيه الغش فكذلك العصاة من هذه الأمة لا يصلحون لدخول الجنة حتى تطهرهم
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الزهد الكبير ( 2 / 310 ) ، وفي شعب الإيمان ( 6 / 338 ، 339 ) ، والطبراني في الأوسط ( 5 / 120 ) . ( 2 ) رواه أحمد ( 2 / 359 ) ، وعبد بن حميد ( 1 / 417 ) ، والحاكم في المستدرك ( 4 / 285 ) .