ابن عطاء الله السكندري

22

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

واصطبر عليها . إن طلبت أن تعصيه فاطلب مكانا لا يراك فيه أحد واطلب قوة من غيره تعصيه بها ولن تستطيع شيئا من ذلك لأن الكل من نعمه تأخذ نعمه وتعصيه بها بل تفننت في المخالفات مرة بالغيبة ومرة بالنميمة ومرة بالنظر وما بنيته في سبعين سنة تهدمه في نفس واحد . يا هادم الطاعات ما سلط اللّه عليك الفاقة إلا لترفع حالتك إليه ولتنجمع عليه فيا من يغرق نفسه في الشهوات والمعاصي ليتك أعطيتها ذلك في المباحات فمن عاملته بالدنيا وعاملك بالمنن كيف لا تحبه . من عاملك بالكرم وعاملته باللؤم كيف لا تحبه ما أحد يصحبك فينفعك وكل من يصحبك إنما يصحبك لنفسه وإنما تحبك الزوجة لتجتنى منك مطايب العيش والملابس وكذلك الولد يقول أشد بك ظهري فإذا كبرت ولم تبقى فيك قوة ولا بغية رفضوك . لو انقطعت عن الخلق لفتح لك باب الأنس به تعالى لأن الأولياء قهروا أنفسهم بالخلوة والعزلة فسمعوا من اللّه وأنسوا به فإن أردت أن تستخرج مرآة قلبك من الأكدار فارفض ما رفضوا وهو الأنس بالخلق وأنس جرى لفلان واتفق لفلان ولا تقعد على أبواب الحارات فمن استعد استمد فإذا هيأ لك الاستعداد فتح لك باب الاستمداد ، ومن أحسن قرع الباب فتح له فرب طالب أساء قرع الباب فرد لسوء أدبه ولم يفتح له وأكثر ما أوتى العباد من قلة الصمت فلو تقربت إلى اللّه لسمعت مخاطبته على الدوام في سوقك وبيتك ولكن من استيقظ شهد ومن نام لم تسمع أذنا قلبه لوم تشهد بصيرته ولكن الحجاب مرخى ، ولو أن العباد فطنوا لم يقبلوا إلا على اللّه ولم يجلسوا إلا بين يديه ولم يستفتوا غيره لقوله صلى الله عليه وسلم ( استفت قلبك وإن أفتوك ) « 1 » لأن الخواطر الإلهية تأتى من اللّه تعالى فهي موافقة وربما أخطأ المفتى والقلب لا يخطئ وهذا مخصوص بالقلوب الطاهرة وإنما يستفتى عالم ولا علم لمن غفل عن اللّه تعالى . كانوا رضى اللّه عنهم لا يدخلون في شيء بنفوسهم ولكن من اللّه وباللّه وإن المسافة بعدت بين الأولياء والصحابة فجعلت الكرامات جبرا لما فاتهم من قرب المتابعة التامة فإن من الناس من يقول إن الأولياء لهم الكرامات والصحابة لم يكن لهم ذلك بل كانت لهم الكرامات العظيمة بصحبتهم له صلى الله عليه وسلم وأي كرامة أعظم منها ، واعلم أن كل صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر لا تسمى صلاة لقوله تعالى : اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ

--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 4 / 228 ) ، والدارمي ( 2 / 320 ) ، وأبو يعلى في مسنده ( 3 / 161 ) .