ابن عطاء الله السكندري

16

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

ما أهربك من الهوان وما أوقعك فيه تهين نفسك وتلقيها في مواطن الردى قال بعضهم كن مع اللّه كالطفل مع أمه كلما دفعته أمه ترامى عليها لا يعرف غيرها ، يا عبد اللّه تنتخب لنفسك الطيبات بل تنتخب لداينك العلف وتعامل اللّه بالمجازفة وربما قلبت عشرين بطيخة حتى تصلح لك واحدة لدهليز مرحاض وتقعد عند الأكل متربعا وربما طولت في الأكل وإذا جئت إلى الصلاة نقرتها نقر الديك والوساوس والخواطر الرديئة تأتيك في صلاتك مثال من هذه حالته كمن نصب نفسه للهدف وقعد في الأرماح والسهام تقصده من كل جانب أفما هذا أحمق ، مثالك إذا سمعت الحكمة ولم تعمل بها كمثل الذي يلبس الدرع ولا يقاتل ألا فقد حصل النداء على سلعتنا فهل من مشتر . قيمتك قيمة ما أنت مشغول به فإن اشتغلت في الدنيا فلا قيمة لك لأن الدنيا كالجيفة لا قيمة لها أفضل ما يطلب العبد من اللّه أن يكون مستقيما معه قال اللّه تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) [ الفاتحة : 6 ] فاطلب منه الهداية والاستقامة وهو أن تكون مع اللّه في كل حال بالذي يرضاه لك وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم عن اللّه سبحانه وتعالى من بذل للّه صرف الود سقاه اللّه صرف الكرم ، مثال السالك كمن يحفر على الماء قليلا قليلا حتى يجد الثقب فينبع له الماء بعد الطلب ، ومثال المجذوب كمن أراد الماء فأمطرت له سحابة فأخذ منها ما يحتاج إليه من غير تعب . إذا أعطيت نفسك كل ما تشتهى وتطلب من الشهوات كنت كمن في بيته حية يسمنها كل يوم حتى تقتله ولو جعل فيك الروح من غير نفس لأطعت وما عصيت ولو جعل فيك النفس من غير روح لعصيت وما أطعت فلذلك جعل فيك القلب والروح والنفس والهوى كالنحلة جعل فيها اللسعة والعسل فلذلك تتلون فالعسل يبره واللسع يقهره فأراد اللّه أن يكسر دعوة النفس بوجود القلب ودعوى القلب بوجود النفس يا عبد اللّه طلب منك أن تكون له عبدا فأبيت أن تكون إلا ضدا إقبالك على اللّه إفرادك له بالعبادة فكيف يرضى لك أن تعبد غيره فلو أتيتنا تطلب العطاء منا أنصفتنا فكيف ترضى إذا أقبلت على من سوانا ، وقفت الدنيا في طريق الآخرة فصرفت الوصول إليها ووقفت الآخرة في طريق الحق فمنعت الوصول إليه . إن من لطف اللّه بك أن يكشف لك عن عيوب نفسك ويسترها عن الناس إذا أعطيت الدنيا ومنعت الشكر فيها فهي محنة في حقك قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ( قليل الدنيا يلهى عن طريق الآخرة ) « 1 » كان لبعضهم زوجة فقالت له يوما لا أقدر على أن تغيب

--> ( 1 ) لم أجده بهذا اللفظ ، وروى البيهقي في الزهد الكبير نحوه ( 2 / 88 ) .