ابن عطاء الله السكندري

122

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

الفصل الثاني [ بيان حكمه وتفاوت درجاته ] وأما الفصل الثاني وهو بيان حكمه وتفاوت درجاته فنقول : قد بيّنا أن الورع إذا أطلق مصدرا أطلق على الكف والحبس والتجنب ، وحبس النفس قد يكون قبل انكشاف حكم الفعل وقد يكون بعد معرفة الحكم ، فأما حبس النفس عن الإقدام قبل انكشاف أحكام الأفعال فمطلوب والدليل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعنى / ص 9 / . أما الكتاب فكل آية أمر فيها بالتقوى وإتيان الطاعة وترك المعصية يقتضى توقفا حتى ينكشف الأمر وقد قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 18 ) [ الحشر : 18 ] أي ما تقدم . وأما السنة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) « 1 » . وجه تقرير الدليل هو أنه قد علم ضرورة اشتمال الشريعة على واجبات لا بد للمكلفين من الإتيان بها على حكم امتثال الأمر وقد نفى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون العمل منتفعا به إلا بنية يريد نية التقرب إلى اللّه بما طلبه من العبد ولا يتصور ذلك ( إلا ) بعد معرفة المطلوب فلزم من هذه الجهة التثبت حتى ينكشف حكم الفعل ويعرف الواجب من غيره ليصح قصد التقرب به وقال صلى الله عليه وسلم لرجل : ( اذكر اللّه عند همك إذا هممت ) « 2 » أمره بذكر اللّه قبل الهمة بالفعل والمراد بالذكر هاهنا أن يذكر اللّه ليعلم هل أذن له في الإقدام على ما همّ بفعله أو لم يأذن . وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز الهجوم على الأعمال قبل انكشاف حكمها . وأما المعنى فهو أنه لما لم يكن في صفة الفعل ما يدل على حكمه وأمكن أن يكون ما يقدم المكلف عليه محرما أو غير محرم وجب التوقف تغليبا لجانب الحظر وهو المعروف من

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 ) . ( 2 ) رواه ابن ماجة ( 2 / 1374 ) ، والحاكم ( 4 / 353 ) ، وصححه ، وقال البوصيري : هذا إسناد فيه مقال ، جعفر بن سليمان الضبعي أخرج له مسلم في صحيحه عن ثابت ، عن أنس عدة أحاديث ووثقه ابن معين ، قال ابن المديني : هو ثقة عندنا أكثر عن ثابت أحاديث منكرة . . ( مصباح الزجاجة 4 / 211 ) .