ابن عطاء الله السكندري
117
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
مدح ولا ذمّ على تركه وفعله ، فإذا تحقق النهى والاستواء شرعا لم يتصور أن يكون التارك مطيعا فلا يكون تارك المباح مطيعا لعدم تعلق الطلب بالترك بل كما يستحيل أن يكون تارك الواجب والمندوب متورعا شرعا لكون الشرع لم يطلب الترك فيهما ، فكذلك يستحيل أن يكون تارك المباح متورعا شرعا . ولا نظر على هذا التحقيق إلى كون الواجب والمندوب مطلوبى الفعل بل استحال التورع في الترك لأنه ليس مطلوبا فيهما فالمباح يسويهما في ذلك . وأيضا فإنه إذا تقرر استواء الفعل والترك شرعا على ما هو حقيقة المباح فإن جاز أن يكون التارك للمباح متورعا عن فعله صح أن يكون فاعل المباح متورعا عن تركه وكل ذلك غير معقول ، وما نقل عن بعض العلماء والصالحين من ترك بعض المباحات طلبا للثواب فذلك لأسباب إما ليوقعوا بدلا منه عبادات يكون المباح مانعا لهم منها ، وهذا غرض صحيح وقد يترك المباح لكونه جرب من نفسه طغيانا وشرودا عند تعاطى بعض المباحات فيترك حذرا على نفسه من الوقوع في معصية وذلك غرض صحيح ولكن سببه الضعف وهو بمثابة من علم من نفسه أنه إذا مشى في الطرقات نظر إلى المحرمات فيمنع نفسه من المشي ويكون ذلك خيرا من جهة قوة عزمه على ترك المحرمات وقد يترك ما يظهر لغيره أنه مباح إذا تخيل فيه إشكالا والتباسا وهذا موضع ورع بلا خلاف ، وعليه ينزل قول من قال : كنا ندع ما لا بأس به حذرا مما به البأس ، وما تركوا كل ما لا بأس به ، وإنما تركوا ما خشوا أن يفضى بهم إلى معصية أو نقيصة . والبرهان القاطع على ترك المباح المطلق ليس بطاعة إجماع المسلمين قاطبة على أن ناذر ترك المباح لا يلزمه الوفاء بنذره أعنى أنه لا يلزمه ترك المباح وأنه كناذر فعله وقد قال صلى الله عليه وسلم / ص 3 / ( من نذر أن يطيع اللّه فليطعه ) « 1 » فلو كان ترك المباح طاعة للزم بالنذر وفي الحديث : ( أن رجلا نذر أن يصوم قائما لا يستظل فأمره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يجلس وأن يستظل ويتم صومه ) « 2 » أمره أن يتم ما كان للّه طاعة وأن يترك ما كان ليس بطاعة إليه وليت المتورّع بترك المباح يخرج سالما بل هو عاص للّه إذا أسند إلى الشريعة ما ليس منها في اعتقاده ترجيح ما هو مستوفى الشريعة فهذا ضلال مبين نعوذ باللّه من الخذلان والجهل .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2463 ) . وأبو داود ( 3 / 232 ) ، والترمذي ( 4 / 104 ) ، والنسائي ( 7 / 17 ) ، وابن ماجة ( 1 / 687 ) ، وأحمد في المسند ( 6 / 224 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 6 / 2465 ) ، وأبو داود ( 2300 ) ، ومالك في الموطأ ( 2 / 475 ) ، وابن ماجة ( 1 / 690 ) ، وابن خزيمة في صحيحه ( 3 / 352 ) .