ابن عطاء الله السكندري
106
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
للتأكيد وتقرير هذه الأصول العظيمة في النفوس ، مع اشتمال هذه الآية الموجزة على ما لم يشتمل عليه ما تقدمها ، وهذا من بديع التأكيد ، لاشتماله على السابق مع شيء جديد . المفردات والتراكيب . ( السيئ ) هو القبيح ، والقبائح المنهى عنها فيما تقدم قبيحة لذاتها ، ولنهى اللّه تعالى عنها . ( والمكروه ) : هو المبغوض المسخوط عليه ، وهو ضد المحبوب المرضى عنه . والمحاسن محبوبة للّه ، أمر بها ويثيب عليها ، ويرضى على فاعلها ، والمقابح مبغوضة له تعالى ، نهى عنها ، ويعاقب عليها ، ويسخط على مرتكبها . وليس المكروه بمعنى عدم المراد ، لأنه لا يكون في ملكه تعالى ما لا يريد ؛ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 30 ) [ الإنسان : 30 ] . وليس بمعنى المنهى عنه نهيا غير جازم ؛ لأن ذلك اصطلاح فقهى حادث بعد نزول القرآن : والقرآن لا يفسر الحادثة بالاصطلاحات . توجيه القراءات : ( ذلك ) : إشارة إلى جميع ما تقدم من المأمورات والمنهيات على قراءة ( سيئة ) فالمكروه هو سيئ ما تقدم ، وهو القبائح المنهى عنها . أو إشارة إلى خصوص القبائح على قراءة : ( سيئة ) . و ( مكروها ) : خبر كان على القراءة الأولى ، وخبر ثان على القراءة الثانية . وتقدير الكلام على القراءة الأولى : كل ذلك المذكور كان سيئه - وهو المنهيات - مكروها عند ربك ، ومفهومه : أن حسنه - وهو المأمورات - محبوب عنده . وعلى الثانية : كل ذلك المنهى عنه كان سيئة مكروها عند ربك ومفهومه : أن المأمور به حسن عنده . المعنى : عرف تعالى عباده في هذه الآية بمنطوقها ومفهومها - على ما تقدم في التقرير - أن ما أمرهم به هو الحسن المحبوب ، وأن ما نهاهم عنه هو القبيح المبغوض . فعلموا من ذلك أن أوامر الشرع ونواهيه هي على مقتضى العقل الصحيح والفطرة السليمة ، وأنه لا يأمر بقبيح ولا ينهى عن حسن . وفي علمهم بهذا ما يحملهم على الامتثال ويرغبهم فيه ، فإن الحسن تميل إليه النفوس ، والقبيح تنفر منه .