ابن عطاء الله السكندري

10

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

السعادة وأهل الشقاوة ، فأهل السعادة إذا رأوا إنسانا على معصيته أنكروا عليه في الظاهر ودعوا له في الباطن ، وأهل الشقاوة ينكرون عليه تشفيا فيه وربما ثلموا عليه عرضه ، فالمؤمن من كان ناصحا لأخيه في الخلوة ساترا له في الخلوة ، وأهل الشقاوة بالعكس إذا رأوا إنسانا على معصية أغلقوا عليه الباب وفضحوه فيها فهؤلاء لا تنور بصائرهم وهم عند اللّه مبعدون . وإذا أردت أن تختبر عقل الرجل فانظر إليه إذا ذكرت له شخصا فإن وجدته يطوف على محل سوء حتى يقول لك خلنا منه ذاك فعل كذا وكذا فاعلم أن باطنه خراب وليس له معرفة وإذا رأيته يذكره بخير أو يذكر له ما يوصف بالذم ويحمله على محمل حسن ويقول لعله منها أو له عذر أو ما أشبه ذلك فاعلم أن باطنه معمور فإن المؤمن يعمل على سلامة عرض أخيه المسلم ، من قارب فراغ عمره ويريد أن يستدرك ما فاته فليذكر بالأذكار الجامعة فإنه إذا فعل ذلك صار العمر القصير طويلا كقوله : سبحان اللّه العظيم وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ، وكذلك من فاته كثرة الصيام والقيام أن يشغل نفسه بالصلاة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فإنك لو فعلت في جميع عمرك كل طاعة ثم صلى اللّه عليك صلاة واحدة رجحت تلك الصلاة الواحدة على كل ما عملته في عمرك كله من جميع الطاعات لأنك تصلى على قدر وسعك وهو يصلى على حسب ربوبيته هذا إذا كانت صلاة واحدة فكيف إذا صلى عليك عشرا بكل صلاة كما جاء في الحديث الصحيح ، فما أحسن العيش إذا أطعت اللّه فيه بذكر اللّه تعالى أو الصلاة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يروى أنه ( ما من صيد يصاد ولا شجرة تقطع إلا بغفلتها عن ذكر اللّه تعالى ) لأن السارق لا يسرق بيتا وأهله أيقاظ بل على غفلة أو نوم ، من علم قرب رحيله أسرع في تحصيل الزاد ، ومن علم أن إحسان غيره لا ينفعه حد في الإحسان ، ومن أخرج ولم يحسب خسر ولم يدر ، ومن وكل وكيلا واطلع على خيانته عزله كذلك نفسك قد اطلعت على خيانتها فاعزلها وضيق عليها المسالك إذا رأيت فيك الإعراض والشهوة والغفلة فهذا وصفك ، وإذا رأيت فيك الإنابة والخشية والزهد فهذا من صنائع اللّه . مثال ذلك إذا رأيت ببلدك الحلفاء والشوك والعوسج فهذا نبات أرض بلدك وإذا رأيت بها العود الرطب والمسك والعنبر فاعلم أنه مجلوب من صنائع اللّه ليس من بنات أرضك فالمسك من غزلان عراقها والعنبر من بحر هندها ، مثال الإيمان معك إذا عصيت اللّه تعالى كالشمس المكسوفة أو كالسراج إذا غطيته بصحفة هو موجود ولكن يمنع نوره الغطاء ثم إنك تحضر المجلس في الجامع ليتوفر عقلك وإن كان عمرك قليلا يصير كثير الحصول الإيمان والخشوع والخضوع والخشية والتدبر والتذكر ونحوها فلو عرفت الإيمان