ابن عطاء الله السكندري

القسم الثاني 21

الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )

مطلوبة لذاتها كما أن الألم مكروه لذاته . وأما الكمال فلأنّا نحب الأنبياء والأولياء بمجرد كونهم موصوفين بصفات الكمال ، وإذا سمعنا حكاية بعض الشجعان مثل رستم واسفنديار واطّلعنا على كيفية شجاعتهم مال قلوبنا إليهم ، حتى أنه قد يبلغ ذلك الميل إلى إنفاق المال العظيم في تقرير تعظيمه ، وقد ينتهي ذلك إلى المخاطرة بالروح . وكون اللذة محبوبة لذاتها لا ينافي كون الكمال محبوبا لذاته . إذا ثبت هذا فنقول : الذين حملوا محبة اللّه تعالى على محبة طاعته أو ثوابه فهؤلاء هم الذين عرفوا أن اللذة محبوبة لذاتها ولم يعرفوا كون الكمال محبوبا لذاته . وأما العارفون الذين عرفوا أنه تعالى محبوب لذاته وفي ذاته فهم الذي انكشف لهم أن الكمال محبوب لذاته ، ولا شك أن أكمل الكاملين هو الحق سبحانه وتعالى ، إذ كمال كل شيء يستفاد منه ، فهو محبوب لذاته سواء أحبّه غيره أو لا . اعلم أن العبد ما لم ينظر في مملوكاته لا يمكنه الوصول إلى اطلاع كمال الحق ، فلا جرم كل من كان اطلاعه على دقائق حكمة اللّه وقدرته في المخلوقات أتمّ كان علمه بكماله أتمّ فكان حبّه له أتمّ . ولمّا لم يكن لمراتب وقوف العبد على تلك الدقائق نهاية فلا جرم لا نهاية لمراتب المحبة . ثم إذا كثرت مطالعته لتلك الدقائق كثر ترقيه في مقام المحبة وصار ذلك سببا لاستيلاء حبّ اللّه على القلب وشدة الإلف بالمحبة ، وكلما كان ذلك الإلف أشد كانت النّفرة عما سواه أشد ، لأن المانع عن حضور المحبوب مكروه ، فلا يزال يتعاقب محبة اللّه والتنفر عما سواه عن القلب ، وبالآخر يصير القلب نفورا عما سوى اللّه ، والنفرة توجب الإعراض عما سوى اللّه ، فيصير ذلك القلب مستنيرا بأنوار القدس مستضيئا بأضواء عالم العظمة فانيا عن الحظوظ المتعلقة بعالم الحدوث ، وهذا مقام عليّ الدرجة ، وليس له في هذا العالم إلا العشق الشديد على أي شيء كان . إن قيل قوله : يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [ البقرة : 165 ] يشتمل على حكمين : أحدهما أن حبّ الكفار للأنداد مساو لحبهم له تعالى مع أن اللّه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى اللّه زلفى . وثانيهما أن محبة المؤمنين له تعالى أشد من محبتهم ، مع أنّا نرى اليهود يأتون