ابن عطاء الله السكندري
القسم الأول 56
الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )
يتناهى من المحامد لأن محامد القديم لا تتناهى وحصر ما لا يتناهى محال ، وهو تنزيه القلب عن الغفلة والفترة بلزوم الذكر والخشية ورؤية الفضل والمنة ، وتنزيه خاصة الخاصة تنزيه عن رؤية أنفسهم في التنزيه بنفي تأثير فيه وجود البشرية . وتنزيه عن دعوى صدور رؤية الفعلية وهو تنزيه العقل عن تنزيهه . ومعرفة الحق سبحانه على ثلاثة أوجه : معرفة الوحدانية من طريق الخبر على لسان التوحيد بدليل الكمال والقدم . ومعرفة القدرة من طريق الاجتهاد على بساط الصفا في ميدان الإحسان بدليل الفضل والنعم . ومعرفة المحبة من طريق الكشف على شهود الحضور في ميدان التجلّي بدليل الجود والكرم . واختلف العلماء المعبّرون في معرفة اللّه تعالى على ثلاثة أصناف : فصنف منهم قالوا : ما في الوجود من لم يعرف اللّه وصرفوا ، وصنف منهم قالوا : ما في الوجود من عرف اللّه تعالى وصرفوا ، وصنف قالوا : ما عرف اللّه إلا اللّه عزّ وجلّ وصرفوا ، فأما من أثبت المعرفة باللّه لجميع العالم وصرفهم في ذلك فهي من طريق الأسماء والصفات فإن أول الواجبات في معرفة الديانات معرفة المعلوم على ما هو به من صفات ذاته وأفعاله ويستدل على الصانع بصنعته وعلى الفعل بفاعله إذ بضرورة العقل يعلم وجود الفاعل لاستحالة وجود فعل من غير فاعل . وقد قال اللّه تعالى : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ إبراهيم : 10 ] وقال : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وحديث معاذ بن جبل حين بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى اليمن فقال : « إنّك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أوّل ما تدعوهم إليه عبادة اللّه فإذا عرفوا اللّه فأخبرهم أنّ اللّه قد فرض عليهم خمس صلوات » « 1 » الحديث . فأثبت اللّه تعالى ورسوله عليه السلام لهم معرفته ، ونفى الشك عنهم بوجوده . قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 87 ) [ الزخرف : 87 ] وقال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 9 ) [ لقمان : 25 ] وهذه الآيات عموم في سؤال الخلق عن خالقهم ، فثبت بطريق العقل والنقل أنه ما في الوجود من ينكر وجود الصانع الفاعل المختار ، ولا من يجهل اسمه جلّ ذكره ، وأما من نفى المعرفة باللّه عن جميع العالم وصرفهم في ذلك فهي من طريق
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه 2 : 147 ، ومسلم في الإيمان 31 ، وأبو نعيم في الحلية 1 : 23 .