ابن عطاء الله السكندري
القسم الأول 32
الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )
الرسالة النبوية ، وما أحاط بمعرفة أسرار جملة الحروف على الحقيقة والكمال بعد آدم سوى نبينا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعلى آدم وعلى ما بينهما من جميع النبيين والمرسلين . ولذلك خصّ بإعطاء جميع حروف المعجم ، وما حوته من جميع المعاني والعلوم والحكم . فقال : « أوتيت جوامع الكلم » وقد يتحف اللّه سبحانه وتعالى من شاء من عباده ويخصّه ، ويكشف معنى سرّ حرف واحد أو حرفين أو أكثر على قدر تخصيصه وقسمته في الأزل فيتصرف بذلك في كل ما يريد من أمور دينه أو دنياه ، وتفعل له الأشياء على حسب تمكنه وإحاطة علمه وسعة معرفته ، وتكون له خاصية يمتاز بها ، وفي حقه كرامة أكرمه اللّه بها . فإن لكل حرف من الحروف سرّ عجيب ، وعلم غزير نافع مصيب ، تكشف به مغلقات الخطوب ، وتبلغ به جميع المراد والمطلوب ، وتكشف به ملكات بديعة ، وتصرف به أمور شريفة ، يعرفها الحكماء العقلاء ، ويعرفها العلماء النبلاء . والألف في العدد واحد ، والواحد استفتاح لجميع العدد وأوله ، وفيه إشارة إلى عمود التوحيد الذي به قوام كل عالم في الوجود . فكما كان اللّه سبحانه وتعالى هو واجب الوجود الأول الموجود ، ولا شيء قبله في الوجود ، وسبقت أحديته جميع ما سواه ، كذلك الألف سبق واحد الأعداد وما بعده . وليس شيء قبله . فإن ابتداء الألف نقطة واحدة منفردة ، وهي عبارة عن مركز قطب دائرة وجود عوالم الحروف ، كذلك نقطة وجود وحدة الموجود الذي صدر عنه وجود العالم بأسره . وبها تستقيم دائرة العدل على القوام . وهي أيضا عبارة عن إثبات الوجود الذي هو ضدّ العدم ، ويعبّر عنها بالجوهر الفرد الذي لا يجوز عليه الانقسام ، ولا حصر العدد ، وهي محلّ قابلية للتهيؤ كالهيولى لجميع حروف صور الأشكال المحسوسة . ووضع الدلالة على إدراك تصوير معاني المعقولة . وهي أيضا إشارة لاسم وحدة التوحيد الذي لا يجوز فيه اشتراك مع عقد التقليد ، ولهذا كان الإنسان الآدميّ ألف القوام قائما معتدلا منتصبا ، حسن القدّ والقامة على الاستقامة ، مخصوصا بالتشريف والتكريم ، ممدوحا مثنى عليه بقوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) [ التين : 4 ] وقد شرّف وفضّل على أكثر المخلوقات حسبما ذكر اللّه في كتابه المبين قوله : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ( 70 ) [ الإسراء : 70 ] وقال