ابن عطاء الله السكندري

92

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

فالإنسان العاقل هو الذي ينتهز فرصة تمتعه بنعمتي الصحة والفراغ في الإقبال على عبادة اللّه تعالى ، لكي لا يغبن في تجارته قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ( 29 ) [ فاطر : 29 ] قال الشيخ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري عند شرحه للحديث آنف الذكر : « وقال الطيبي : ضرب النبي صلى اللّه عليه وسلم للمكلّف مثلا بالتاجر الذي له رأس مال ، فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله ويلزم الصدق والخدمة لئلا يغبن ، فالصحة والفراغ رأس المال ، وينبغي له أن يعامل اللّه بالإيمان ، ومجاهدة النفس وعدو الدين ، ليربح خيري الدنيا والآخرة ، وقريب منه قول اللّه تعالى : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الصّف : 10 ] وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس ومعاملة الشيطان لئلا يضيع رأس ماله مع الربح » . وقال أيضا : « وقال ابن الجوزي : قد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا لشغله ، وقد يكون مستغنيا ولا يكون صحيحا ، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون ، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة ، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة اللّه فهو المغبوط ، ومن استعملها في معصية اللّه فهو المغبون ، لأن الفراغ يعقبه الشغل ، والصحة يعقبها السقم » . فالخذلان كل الخذلان لمن تفرغت جوارحه من الشواغل الحسية الظاهرة وقلبه من العوائق المعنوية الباطنة ، ولم يتوجه إلى مولاه بإخلاص العبودية له تعالى ، بأن يقبل عليه بكليته ، فلا يشغل عقله وقلبه بسواه تعالى . قال الشيخ عبد الكريم القشيري : « فراغ القلب من الأشغال نعمة عظيمة ، فإذا كفر عبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى ، وانجرّ في قياد الشهوات ، شوّش اللّه عليه نعمة قلبه ، وسلبه ما كان يجد من صفاء لبه » . انتهى بعونه تعالى كتاب اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية ، ويليه كتاب : « الحكم العطائية الكبرى » للشيخ ابن عطاء اللّه السكندري رحمه اللّه تعالى .