ابن عطاء الله السكندري
90
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
والآن أبدأ في الشرح فأقول : قال اللّه تعالى : * وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ( 70 ) [ الإسراء : 70 ] إن هذه الآية الكريمة تشير إلى تكريم اللّه تعالى للإنسان وتفضيله على كثير ممن خلق ، ولبيان هذا التكريم والتفضيل أخبرنا اللّه تعالى في كتابه الكريم أنه خلق الإنسان بيديه في أحسن تقويم ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته عليهم السلام ، وسخر له السماوات والأرض ، قال اللّه تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) [ التّين : 4 ] وقال تعالى : قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ( 75 ) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 76 ) [ ص : 75 ، 76 ] وقال تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) [ الحجر : 29 ] وقال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [ الجاثية : 13 ] وزيادة على ما تقدم أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم على صورته » ( رواه مسلم ) أي الصورة المعنوية من حيث إن اللّه تعالى موجود وحي وعليم ومريد وقادر وسميع وبصير ومتكلم ، والإنسان كذلك يتكلم ويبصر ويسمع ويريد ويقدر ويعلم وهو حي وموجود ، فهو بصفاته الحادثة هذه يتعرف على صفات اللّه تعالى الأزلية ، وفي ذلك يقال : « من عرف نفسه عرف ربه » . إن الإنسان يقابل عالم الشهادة بجسمه الطيني ، ويقابل عالم المكوت بقلبه النوراني وروحه الأمري ، لذلك كان الإنسان جامعا للحقائق الوجودية كلها المادية والمعنوية ، وفي ذلك يروى عن الإمام علي رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه قوله : « أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر » إن جمعية الإنسان للحقائق الخلقية الكونية وللحقائق الروحية الملكوتية هي التي رفعت قدره بين المخلوقات وأهلته ليكون خليفة اللّه تعالى في أرضه وحاملا لأمانته ، قال اللّه تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] وقال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ( 72 ) [ الأحزاب : 72 ] . هذا وإتماما للفائدة أذكر قصيدة للشيخ عبد الغني النابلسي رحمه اللّه تعالى من ديوانه « ديوان الحقائق ومجموع الرقائق » يبين فيها قدر الإنسان وحقيقته ومكانته عند اللّه تعالى وهي التالية : أجهلت قدرك أيّها الإنسان * أنت الجميع وبعضك الأكوان والنور والظلمات أنت حقيقة * وسوى كمالك كلّه نقصان