ابن عطاء الله السكندري
79
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
عبوديتك » ، أي : وهذا يدل على عدم صدق من كان هذا حاله في عبوديته للّه تعالى لأن الصدق في العبودية يتطلب الإخلاص في العمل للّه تعالى بدليل قوله تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ [ البيّنة : 5 ] . والرياء هو العمل من أجل الناس طلبا للمنزلة عندهم ، قال اللّه تعالى : يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [ النّساء : 142 ] وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « قال اللّه تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه » ( رواه مسلم ) . قال أحمد بن أبي الحواري رحمه اللّه تعالى : « من أحبّ أن يعرف بشيء من الخير أو يذكر به فقد أشرك في عبادته ، لأن من خدم على المحبة لا يحب أن يرى خدمته غير مخدومه » . أي من عبد اللّه حبا به ولم يعبده خوفا أو طمعا لا يحب أن يطلع على عمله غير محبوبه الذي عبده على المحبة وهو اللّه تعالى . وقال سهل بن عبد اللّه التستري رحمه اللّه تعالى : « من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مراء ، ومن أحب أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب » . وقال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى : « ما صدق اللّه من أحب الشهرة » . ذكر علماء التربية والسلوك علامات للمرائي تدل على ريائه منها : نشاطه في العبادة أمام الناس وكسله وقعوده عنها في خلوته . ومنها : إتقانه للعبادة حيث يراه الناس وإسراعه فيها وتساهله بها حيث لا يراه أحد غير اللّه تعالى . ومنها : تطلعه بقلبه توقير الناس له وتعظيمه . ومنها الرغبة في مسارعتهم إلى قضاء حوائجه لما يرونه من صلاحه ، حتى إنه إذا قصر أحدهم في حقه الذي يدّعيه لنفسه استنكر ذلك منهم . والأمر الثاني الذي اشتملت عليه هذه الحكمة هو الدواء الشافي من الرياء ، وعبّر عنه بقوله : « غيب نظر الخلق إليك بنظر الحق إليك ، وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك » أي ، لا تنظر إلى نظر الخلق إليك ، بأن تكون تشعر بنظرهم إليك وتهتم لذلك ، بل غب عن نظرهم إليك ، بالاكتفاء بنظر اللّه إليك بمراقبتك له وحضورك معه تعالى ، وعلمك بأنه عزّ وجل مطلع على ظاهرك وباطنك مصداقا لقوله تعالى : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 ) [ غافر : 19 ] وقال تعالى : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصّلت : 53 ] . وعليك أيضا أن تغيب عن إقبال الخلق عليك بالتبجيل والتعظيم ، لأنهم لا يملكون لك ضرا ولا نفعا ولا رفعا ولا خفضا ، وتكتفي بشهودك إقبال من ناصيتك بيده سبحانه وتعالى ، الذي أسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة ، قال اللّه تعالى : وَأَسْبَغَ