ابن عطاء الله السكندري
69
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
والشهوات ، فإنها تضلل الإنسان وتجعله يعتز بما يفنى ، فيتعلق بالمال والعشيرة والولد والمنصب والسلطان وغير ذلك من أمور الدنيا الفانية التي يظن أن عزه فيها فيشغل قلبه بها ، مع أنه لو ملك الدنيا جميعها واعتزّ بها إنما يكون قد اعتزّ بأقل من جناح بعوضة بدليل قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيما صحّ عنه : « لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » « 1 » . وأما الإنسان العاقل صاحب النفس المطمئنة بنور الإيمان ، فإنه يعتز بما يبقى ، لأنه يريد أن يكون له عز لا يفنى ، وهو : العز باللّه تعالى وبطاعته وامتثال أمره وموالاة أحبابه ، قال تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) [ الرّحمن : 26 ، 27 ] وقال تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً [ فاطر : 10 ] وقال تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ ( 56 ) [ المائدة : 56 ] وقال تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [ المنافقون : 8 ] . وروي عن سيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه قوله : « من أراد الغنى بغير مال ، والكثرة بغير عشيرة فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة » أي من استعز باللّه تعالى لا يقدر أحد أن يذله ، ويروى في ذلك قصة الرجل الذي أمر هارون الرشيد بالمعروف فغضب منه وحنق عليه ، فقال : - أي هارون الرشيد - اربطوه مع بغلة سيئة الخلق لتقتله ، فلم تفعل معه شيئا ، ثم قال : اسجنوه وطيّنوا عليه الباب ففعلوا ، فرئي في بستان فأتي به فقال له : من أخرجك من السجن ؟ فقال : الذي أدخلني البستان ، فقال : ومن أدخلك البستان ؟ فقال : الذي أخرجني من السجن ، فعلم هارون الرشيد أنه لم يقدر على ذله ، وأمر الرشيد أن يركب الرجل وينادى عليه : ألا إن هارون أراد أن يذل عبدا أعزّه اللّه فلم يقدر » . فعليك أخي المسلم ، إذا أردت أن يكون لك عز لا يفنى ، أن لا تستعز بغير اللّه تعالى القائل : أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ النّساء : 139 ] . وقال تعالى : وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً [ طه : 97 ] .
--> ( 1 ) الترمذي رقم 2320 .